ـ[محمد خلف سلامة]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمug-2007, مساء 01:57]ـ
التنبيه الخامس عشر
بيان أن كثرة الطرق المختلقة والمتروكة والساقطة للحديث الواحد قد تُسقط متابعاتها الضعيفة وإن لم يشتد ضعفها، وذلك إذا لم يكن للحديث طرق أخرى قوية
إذا كان للحديث طرق ضعيفة صالحة - بحسب ظاهرها - لتقوية متنه بمجموعها، ولكن كان مع تلك الطرق طرق أخرى كثيرة تالفة وساقطة، من رواية الوضاعين والكذابين والمتروكين والمجاهيل، ولم يرو الحديث إلا من تلك الطرق، أي لم تعرف له طرق صحيحة، أو طرق قوية كثيرة كثرة مناسبة أو كافية، فإن ذلك الأمر يريب في صحة مسلك تقوية الحديث بمجموع طرقه المذكورة أولاً، أي الضعيفة التي لم يشتد ضعفها، ولو كثرت؛ بل ذلك في - الحقيقة - لا يقف عند حدود إثارة الريب، وإنما يتعداها إلى المنع من تقوية ذلك الحديث أصلاً، وإلى الدلالة على بطلان ووهاء تلك الطرق التي كانت مرشحة للتقوية؛ وذلك بسبب ازدياد احتمالات الاختلال والاختلاق والخلط والغلط والترتيب والتركيب، بزيادة الطرق الهالكة والساقطة، أي يقوى بوجود هذه الطرق احتمال أن يكون أصل الطرق الضعيفة التي كان يُظن بها صلاحها للتقوية: هو تلك الطرق الساقطة والمختلقة والضعيفة جداً، إذ أن هؤلاء الوضاعين والكذابين والمتروكين - بل وبعض من معهم من المجاهيل أحياناً - الذين تفردوا بأسانيد مركبة أو أسانيد كالشمس في صحتها وشهرتها، أقول: هؤلاء جميعاً مظنة اختلاق الأحاديث وتكثير طرقها، وتزويرها وتركيبها، ومظنة سرقتها وتغييرها وإدخالها على غيرهم من الضعفاء ممن لا يتعمد الكذب، أو تلقينهم إياها، أو حملهم على تدليسها، أو نحو ذلك من أنواع سعيهم في ترويج الخبر الباطل بين الرواة وتكثير طرقه؛ وفوق ذلك فإن هؤلاء لا بد أن يجدوا من الضعفاء والمدلسين والمغفلين ونحوهم، بل وبعض الأقوياء من الرواة، من يتبرع - بلا طلب منهم - برواية ذلك الحديث؛ وحينئذ سيقع منهم ما يقع من غلط أو تخليط، أو تدليس؛ فإذا جاء القرن – أو الطبقة التي بعد هؤلاء - فإنه سيكون فيهم - بلا شك - من سيسير بسيرة سلفه، ويفعل مثل فعلته؛ وحينئذ يزداد عدد الطرق ويربو مقدار الأوهام التي تحيل بعض الطرق الساقطة إلى طرق ظاهرها القوة والمتانة أو في الأقل التماسك والصلاحية لتقويتها ببعضها.
وهكذا تتكاثر الطرق المتماسكة لبعض الأحاديث التي هي في الأصل مختلقة أو شبه مختلقة، أو متروكة الأسانيد؛ وبعد ذلك يأتي - ولا سيما في العصور المتأخرة - من يقويها بمجموع تلك الطرق المتماسكة بحسب ظاهرها، فهي – عنده - صالحة للاستشهاد بها والاحتجاج بمجموعها، لأنها - عنده - غير شديدة الضعف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا واعلم أن من أهم ما يعين على التوصل إلى قواعد وضوابط صحيحة للتقوية بكثرة الطرق هو معرفة أسباب واحتمالات وكيفيات تكاثر الطرق والمتابعات أو قلتها، إجمالاً وتفصيلاً؛ ومحاولة تطبيق ذلك في حق الحديث المراد تخريجه - إذا كان من النوع الذي يحتمل أن يتقوى بمجموع طرقه - لمعرفة صلاحيته لذلك.
قال المعلمي في حاشيته على (الفوائد المجموعة) (ص175) وهو يخرج بعض الأحاديث:
(الآفة فيه محمد بن يحيى بن ضرار، راجع ترجمته في (اللسان)، وقد سرقه منه جماعة، فأدخلوه على بعض من لا يتعمد الكذب).
ثم قال (ص176):
(---وقد رواه غيره؛ والذي تولى كبْره محمد بن يحيى بن ضرار كما مر، والباقون بين سارق ومدخل عليه).
وقال في كلامه على حديث آخر:
(دافع ابن حجر عن ثلاث روايات [يعني لذلك الحديث]؛ وحاصل دفاعه: أن المطعون فيهم من رواتها لم يبلغوا من الضعف أن يحكم على حديثهم بالوضع؛ فإن كان مراده أنه لا يحكم بأنهم افتعلوا الحديث افتعالاً، فهذا قريب، ولكنه لا يمنع من الحكم على الحديث بأنه موضوع، بمعنى أن الغالب على الظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله؛ وأن من رواه من الضعفاء الذين لم يعرفوا بتعمد الكذب، إما أن يكون أدخل عليهم، وإما أن يكونوا غلطوا في إسناده----).
¥