ولو وجد العلماء النقاد هذا الراوي الضعيف كذلك - أي يُحتج بكل ما رواه وتوبع عليه: لوثقوه بشرط أن لا يكون ما يتفرد به منكراً أو غير محتمل من مثله؛ فلما وجدناهم لم يوثقوه، وإنما ضعفوه: استحق ذلك مزيداً من التأني في تقوية حديثه بمتابعاته ودل على أن جملة مما توبع عليه من الأحاديث: ضعيفة أيضاً، ولا بد.

ثم ليعلم أن من ضعفه الأئمة وقلت أفراده فمعنى ذلك أن الغالب على حديثه الذي توبع فيه هو الضعف، فضلاً عن ضعف أفراده.

والحاصل أن الأصل في الضعيف غير المتروك أنه يستشهد به في كل أحاديثه التي توبع عليها مِن قِبل من هو مثله أو مقارب له في حاله، بل يستشهد به في جملة منها فقط، ولكن تلك الجملة يصعب تعيينها إلا على العارفين الحذاق المهرة؛ فليتق الله في نفسه وفي المسلمين من لم يتأهل لمثل هذا المنصب العظيم فيصحح ويحسن كما يحلو له، وإن تصحيح حديث من الأحاديث المرفوعة لهو توقيع عن رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم، أو توقيع عن رب العالمين تبارك وتعالى، فالله أكبر ما أخطر هذا المقام لو تفكروا فيه!

---------------------------

---------------------------

---------------------------

هامش:

(1) قال المعلمي في (التنكيل) (1/ 128 طبعة القاهرة) في ترجمة أحمد بن عبدالله أبو عبد الرحمن: (أقول: في باب الإمام ينهض بالركعتين من "جامع الترمذي": "قال محمد بن إسماعيل [البخاري]: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه، لأنه لا يُدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً ".

والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله "لا أروي عنه" أي بواسطة، وقوله "وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً " يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة.

وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأَنْ لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتّقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة.

وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه؛ وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل، فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه.

فإن قيل: قد يعرف بموافقته الثقات، قلت: قد لا يكون سمع وإنما سرق من بعض أولئك الثقات؛ ولو اعتد البخاري بموافقة الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة، فإن ابن أبي ليلى عند البخاري وغيرِه صدوق وقد وافق عليه الثقات في كثير من أحاديثه، ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمن غلطه حتى فبما وافق عليه الثقات.

وقريب منه من عُرف بقبول التلقين فأنه قد يلقن من أحاديث شيوخه ما حدثوا به ولكنه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم فأنه قد يسمع من أقرانه عن شيوخه ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه فيرويها عنهم.

فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الرواي من شيوخه لا يحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين:

إما أن يكون الراوي ثقة ثبتاً فيعرف صحيح حديثه بتحديثه.

وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة، كيحيى بن عبد الله بن بكير، روى عنه البخاري وقال في "التاريخ الصغير": "ما روى يحيى [بن عبد الله] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه"، ونحو ذلك.

فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح فإنه إن كان يروي ما لا يرى صحته فأي فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في كتب البخاري غير "الصحيح" أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟

قلت: أما ما نبه على عدم صحته فالخطب فيه سهل، وذلك بأن يحمل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته، ويبقى النظر فيما عدا ذلك.

وقد يقال: إنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه تركه البتة ليعرف الناس ضعفه مطلقاً، وإذ رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك فإنه يروي ما عرف صحته وما قاربه أو أشبهه مبيناً الواقع بالقول أو الحال؛ والله أعلم)؛ انتهى.

وإلى تنبيه آخر إن شاء الله تعالى ----.

ـ[محمد خلف سلامة]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمug-2007, صباحاً 09:24]ـ

التنبيه الرابع عشر

عدم صحة تقوية ما لا شاهد له من تفاصيل حديث الضعيف وزياداته تبعاً لتقوية أصلها

كثيراً ما ينفرد الضعيف الذي يستشهد به، بزيادة في متن الحديث لا يتابعه عليها أحد من الثقات ولا من الضعفاء الذين يستشهد بهم.

وفي مثل هذه الحالة: إن توبع الضعيف مِن مثله – أو ممن هو فوقه رتبةً في حاله - في كل الحديث إلا في تلك الزيادة، - أو إلا فيها وفي بعض الزيادات الأخرى - فتلك الزيادة منكرة مطروحة بلا شك، ولا يصح تقويتها تبعاً لأصلها كما يفعله كثير من المتأخرين كالسيوطي رحمه الله وأمثاله.

فكل معنى ولو كان دقيقاً، أو كل لفظة فيها زيادة معنى وكل أسلوب فيه زيادة معنى أيضاً: كل ذلك لا يقبل تفرد الضعيف به ولو شورك في رواية أصل الحديث.

إنه لا بد من تفصيل التقوية في المتن، كما تقدم هنا، وفي السند، كما يأتي في بعض التنبيهات الآتية بإذن الله وتوفيقه.

وهل تدل هذه الزيادة – أو الزيادات - التي تفرد بها الضعيف: على أنه لم يحفظ الحديث وأنه اضطرب فيه فلا تصلح روايته حينئذ لتقوية القدر الذي توبع فيه؟ هذه مسألة يصعب الخوض في تفاصيل تحقيقها الآن، ولكن الذي أراه – والله أعلم – أنها لا تدل على ذلك بنفسها، فهذا هو الأصل هنا، وقد يأتي من القرائن في حق بعض الأحاديث ما يخرجنا عن هذا الأصل ويدل على ذلك المعنى المشار إليه، أي أنه لم يحفظ الحديث فلا يستشهد به فيه أصلاً.

انتهى هذا التنبيه، وانظر هذا الرابط:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showpost.php?p=432912&postcount=7

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015