[وهذا التنبيه مكمل للتنبيه السادس ومقارب له]
كثير من المشتغلين بتخريج الأحاديث من المتأخرين والمعاصرين لا يفرقون - في باب التقوية بالطرق - بين المتابعات التامة والقاصرة، فيسوون بينهما في ذلك، وربما ظن بعض أولئك أن التقوية القاصرة أنفع في باب التقوية، لأنه يرى أن في القاصرة متابعة لأكثر من راو، بخلاف التامة فالذي يُتابع فيها هو أول راو فقط.
وهذا التفضيل خطأ أكبر من خطأ التسوية بينهما، بل هو عكس للصواب.
سئل بعض الفضلاء البارعين (حفظه الله تعالى) - كما في بعض المنتديات -: (المُتَابعات إذا كانت قاصِرَة هل تُفِيد الحديث قُوَّة)؟
فكان الجواب: (نعم تفيد الحديث قوة، فلم يذكر في هذا المبحث في كتب المصطلح تفريقٌ في التَّقْوية بين التامَّة والقَاصِرَة، لكن التَّامَّة أفضل فقط، ويستفاد منها في غير التَّقْوِية؛ كمعالجة التَّصْحِيف؛ والتَّحْريف في رجال الإسناد مثلاً).
وهذا جواب غير جيد، فإنه إنْ تفرَّدَ زيد من الضعفاء عن شيخ له تفرداً منكراً أو غريباً جداً، بأن يكون ذلك الشيخ من الأئمة الذين يحرص الناس على السماع منهم والرواية عنهم، ثم تابع زيداً عمْرٌو من الضعفاء أيضاً متابعة قاصرة تفرد فيها عن شيخ من شيوخه وكان حاله في هذا التفرد كحال زيد في تفرده، أي فعل مثل زيد، بأن تفرد عن شيخ من شيوخه الحفاظ المشاهير المتقنين الذين تكاثر طلابهم وتزايد إقبال الناس إليهم وشدت إليهم الرحال من أقاصي البلاد، فحينذ إن استنكرنا تفرد زيد عن شيخه بخصوصه، فماذا ينفعه رواية عمرو عن شيخه وهي مستنكرة أيضاً.
إن عمراً في الحقيقة لم يتابع زيداً، ولكن المتابَع هو شيخ عمرو، تابعه شيخ زيد، وكل من هذين الشيخين – بحسب الفرض أو المثال - غني عن متابعة صاحبه له، وإن كان تتابعهما أكمل لقوة الحديث وصحته من تفرد أحدهما؛ هذا على فرض ثبوت السند إلى كل منهما ولكنه لم يثبت، كما يفهم مما تقدم تفصيله من التمثيل.
إن النكارة الواقعة في تفرد كل واحد من زيد وعمرو عن شيخه باقية هنا، وكذلك في مثل هذه الحالة، إذ المنكر أبداً منكر؛ وذلك بخلاف ما لو تتابع ضعيفان لم يشتد ضعفهما عن شيخ واحد لهما، أي تتابعا تتابعاً تاماً وليس قاصراً، فالأمر حينئذ أقرب والنكارة أبعد، وإن كانت التقوية غير لازمة.
أنا لا أقول: إن المتابعة القاصرة لا تقوي، ولكن أقول: إنها – في باب الصلاحية للتقوية - أقل بكثير من المتابعة التامة، وأحياناً تكون غير صالحة للتقوية؛ وفي الجملة فالتقوية بها تحتاج إلى مزيد من التثبت والاحتياط ومزيد ملاحظة للقرائن والملابسات والاحتمالات؛ وهذا أمر قد يصعب تفصيله وقد يطول، فتدبره وادرسه بنفسك تجده كذلك بإذن الله؛ والأئمة كثيراً ما يستنكرون تفرد راو ثقة عن بعض شيوخه، فكيف لا يستنكرون تفرد ضعيف عن حافظ إمام، أو عن حافظ كبير شهير؟!.
وإلى تنبيه آخر في المرة القادمة بإذن الله .....
ـ[محمد خلف سلامة]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمug-2007, صباحاً 08:44]ـ
التنبيه الثالث عشر
خطأ طريقتهم في طردهم الاستشهاد بالراوي الذي يستشهد به
إن استشهاد الإمام البخاري – مثلاً - في صحيحه ببعض الرواة لا يلزم منه أن ذلك الراوي يستشهد به في كل ما رواه، فالبخاري إنما طريقته أنه ينتقي من أحاديث بعض الضعفاء ما عَلم – بسعة حفظه وثاقب بصره وعظيم فطنته وكمال تتبعه - أنه محفوظ، وأكثرهم من شيوخه؛ وأنى للمتأخر أن يفعل مثل ذلك (1)؟
وقل مثل ذلك - أو نحوه - في استشهاد الإمام مسلم وفي استشهاد سائر علماء العلل.
وكذلك وصف العلماء من المتقدمين أو المتأخرين الراوي بعبارة تعني أنه صالح للاستشهاد به فإنها لا تعني أنه يستشهد به بإطلاق.
إنه إن كان الراوي الثقة – أو الراوي الموصوف بأنه يحتج به - لا يحتج بكل مروياته، كما هو مقرر في موضعه: فمن باب أولى أن الراوي الضعيف – أو الراوي الموصوف بأنه يستشهد به - لا يستشهد به في كل مروياته، أعني لا يحتج بكل شيء مما رواه وتابعه فيه من هو مثله.
¥