كون الأحاديث في الفضائل - أي فضائل الأعمال أو الأقوال أو الناس أو الأزمنة أو الأمكنة - لا يؤهلها للتساهل في نقد أسانيدها، بل لو قيل: (ينبغي التشدد والاحتياط في نقد هذا النوع من الأحاديث بسبب تساهل أكثر الناس في قبولها وتهافت أكثرهم على العمل بها وولوعهم بإشاعتها): لكان ذلك أقرب من ضده وأحوط للدين، ولكن حتى هذا القول – على قربه – غير صحيح، فالأحوط والأعدل والأقرب هو أبداً الإنصاف والاعتدال.
إنه لا يوجد عند الأئمة والعلماء المحققين - فيما أعلم - أي فرق بين حديث من أحاديث الأحكام وحديث من أحاديث الفضائل من جهة طريقة نقدهما، وإنما الفرق في أمر واحد فقط هو تجويزهم رواية الضعيف الذي لم يشتد ضعفه، للترغيب به في عمل قد ثبت فضله بدليل ثابت، من آية أو حديث صحيح، وبشروط مفصلة في غير هذا الموضع.
أورد الشوكاني في (الفوائد المجموعة) (ص429 - 430) حديث أنس رضي الله عنه في فضل عسقلان من مسند أحمد: (عسقلان أحد العروسين، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ويُبعث منها خمسون ألف شهيد وفود إلى الله، وبها صفوف الشهداء، رءوسهم مقطعة في أيديهم، تثج أوداجهم دماً يقولون: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) فيقول: صدق عبيدي، اغسلوهم بنهر البيضة فيخرجون منه أنقياء بيضاً، فيسرحون في الجنة حيث شاءوا)؛ ثم قال:
(هذا الحديث أورده ابن الجوزي في (الموضوعات)، وقال: في إسناده أبو عقال هلال بن زيد، يروي عن أنس أشياء موضوعة؛ وقال ابن حجر في (القول المسدد): وهذا الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط، وما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه؛ وطريق الإمام أحمد معروفة في التسامح، في أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام.
هذا كلامه، ولا يخفاك أن هذه مراوغة من الحافظ ابن حجر، وخروج من الإنصاف، فإن كون الحديث في فضائل الأعمال، وكون طريقة أحمد رحمه الله معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل: لا يوجب كون الحديث صحيحاً ولا حسناً، ولا يقدح في كلام من قال: في إسناده وضاع، ولا يستلزم صدق ما كان كذباً وصحة ما كان باطلاً.
فإن كان ابن حجر يسلم أن أبا عقال يروي الموضوعات، فالحق ما قاله ابن الجوزي؛ وإن كان ينكر ذلك فكان الأولى به التصريح بالإنكار والقدح في دعوى ابن الجوزي). انتهى كلام الشوكاني.
وقال ابن حجر في (الفتح) (9/ 61 - 62 دار المعرفة): (وأخرج الترمذي أيضاً وابن أبي شيبة وأبو الشيخ من طريق سلمة بن وردان عن أنس: أن (الكافرون) و (النصر) تعدل كل منهما ربع القرآن، و (إذا زلزت) تعدل ربع القرآن؛ زاد ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وآية الكرسي تعدل ربع القرآن؛ وهو حديث ضعيف لضعف سلمة وإن حسنه الترمذي فلعله تساهل فيه لكونه من فضائل الأعمال؛ وكذا صحح الحاكم حديث ابن عباس وفي سنده يمان بن المغيرة وهو ضعيف عندهم).
وقال ابن حجر في (نتائج الأفكار) (1/ 58 - 59) المجلس الحادي عشر في الكلام على حديث جابر رضي الله عنه (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله):
(هذا حديث حسن أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى ---، وأخرجه ابن حبان ----، وأخرجه ابن ماجه ---، والحاكم ---.
قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى [هو ابن إبراهيم المديني]، وقد روى علي بن المديني وغيره هذا الحديث عن موسى.
قلت: وقد ذكرت جماعة ممن روى عنه [لعله يعني في التهذيب]، ولم أقف في موسى على تجريح ولا تعديل، إلا أن ابن حبان ذكره في (الثقات) وقال: يخطئ؛ وهذا عجيب منه، لأن موسى مقل، فإذا كان يخطئ مع قلة روايته فكيف يوثق ويصحح حديثه؟!
فلعل من صححه أو حسنه تسمح لكون الحديث في فضائل الأعمال)؛ كذا قال ابن حجر رحمه الله، وهل أصاب فيما قاله؟ الله أعلم، ولكنني لا أحسب أئمة هذا العلم يفرقون في أحكامهم على الأحاديث بحسب موضوعاتها، فيعتدلون في بعضها ويتساهلون أو يتشددون في البعض الآخر. والله أعلى وأعلم.
ـ[محمد خلف سلامة]ــــــــ[05 - صلى الله عليه وسلمug-2007, صباحاً 11:23]ـ
التنبيه الثاني عشر
وجوب التفرقة بين المتابعات التامة والقاصرة في باب التقوية
¥