وهكذا أُتي المتأخرون من عدم فهمهم – أو عدم تيقنهم – أن القواعد والأصول الصحيحة إنما هي في أصلها قائمة على الأحكام الفرعية للأئمة ومتفرعة عنها ومستندة إليها؛ فالراوي الذي قال فيه النقاد المتقدمون المجتهدون: (هو ضعيف) فهم إنما قالوا ذلك فيه بعد أن استقرأوا أحاديثه أو معظمها وتتبعوا طرقها وحكموا عليها ونظروا في كل ما يتعلق بها مما من شأنه أن يعين على التوصل إلى معرفة ما يليق بها من حكم وما تستحقه من وصف؛ وعند ذلك وصفوا ذلك الراوي بكلمة وجيزة تكون دلالة على حاله في الجملة لتكون أصلاً في أحاديثه، فيلجأ إلى هذا الأصلِ الناقدُ الذي لم يتمكن - بعد البحث والتنقيب التامين اللذين يستفرغ فيهما جهده - من معرفة تفاصيل حديث بعينه من أحاديث ذلك الراوي، فيحكم على ذلك الحديث بالضعف، أي بهذا الحكم العام الأغلبي الأصلي، لاضطراره إليه.
فالراوي الذي قالوا فيه: (ضعيف) ليس معنى قولهم هذا هو أنهم وجدوا كل أحاديثه ضعيفة فوصفوه بالضعف؛ بل معناه أنهم وجدوه روى أحاديث مستقيمة وأحاديث أخطأ فيها، وأحاديث لم يتبين أمرها وهي محتملة، فعلموا أنه إن كان لا بد من وصف حال هذا الراوي بكلمة واحدة أو بعبارة وجيزة ونحوهما فأعدل شيء في حقه هو هذا الاصطلاح، أعني كلمة (ضعيف) وما يؤي معناها.
وبعد هذا أقول لأجل توضيح جملة المعنى المتقدم:
إن أقرب ما يوضح معنى هذا الحكم المجمل – أي الحكم على الراوي بأنه ضعيف - هو أن يقال: إن معناه في اللهجة الدارجة في المدارس هو (المعدل الدراسي)، فمعدل هذا الراوي في أحاديثه هو أنه ضعيف؛ فهو من جنس المعدلات التي تُمْنَح للطلاب في مدارسهم؛ فمثلاً الطالب الذي يكون معدله (جيد) فهل معنى ذلك أنه جيد في كل علم من العلوم التي اختُبِر فيها في تلك السنة الدراسية؟ الجواب كما هو معلوم: لا؛ فوصفه بأنه جيد إنما معناه أنه حصل باعتبار جملة تلك العلوم – لا باعتبار كل واحد منها وحده - على درجة بين الستين والسبعين من مئة درجة، فهذه الدرجة التي حصل عليها هي المعدل الإجمالي لدرجاته في كل الدروس؛ فلو جئت إلى تفاصيل درجاته فقد تجده متفوقاً في بعض الدروس وقريباً من التفوق في دروس أخرى وتجده متوسطاً في قسم ثالث منها وضعيفاً أو رديئاً في بقيتها، بل ربما يكون فاشلاً في درس أو درسين إذ لا يلزم من كون معدله جيداً أن يكون ناجحاً في كل دروسه.
إذا عُلم هذا – بل هو معلوم متواتر - عُلم أن إنكار الطالب أو غيره - كولي أمره – على مدير المدرسة التي حكمت بفشل الطالب ورسوبه بأن ذلك الطالب قد نجح في بعض دروسه: إنكارٌ غير وجيه ولا محل له.
هذا مثال لتقريب المسألة وتوضيحها لبعض الأخوة المبتدئين في دراسة وتصور هذه القضية قضية الفروق بين الطائفتين.
وبعد هذا التمثيل وما تقدم قبله أسأل قائلاً:
إذا ضعَّف أحد الأئمة النقاد المتقدمين رجلاً من رجال الحديث، ثم حكم على حديث من أحاديثه بأنه صحيح، فهل من العلم الصحيح أو العدل والنصفة أن نردَّ قوله بنحو قولنا: كيف تصحح حديثه وهو راو ضعيف؟! أو أن ننكر عليه أو نستغرب صنيعَه فنقول: كيف ضعفتَ راوياً وصححتَ حديثاً من أحاديثه؟! أو نحو هذا القول؟.
أليس له – أو لمن ينصره – أن يردَّ على الذين يسألون مثل هذين السؤالين بأن يقول متعجباً: (كيف قبلتم واحداً من قولَيَّ أو حُكمَيَّ ورددتم الآخر؟! قبلتم تضعيفي للراوي - وهو حكم عام مجملٌ أغلبي بنيْتُه على معرفتي بأحاديثه جملةً وتفصيلاً - ورددتم استثائي من هذا الحكم العام حديثاً بعينه أنا علمتُ أنه أصاب في روايته له وما أخطأ؛ علمتُ إصابتَه فيه من مصاحبتي له أو من أقوال النقاد المطلعين على تفاصيل أحواله وأحاديثه، أو من استقرائي لأحواله وأحاديثه من أجل أن أتوصل إلى معرفة أحوال مروياته على التفصيل من جهة، وأن أتوصل إلى الحكم عليه – أي على الرجل – بكلمة مجملة من جهة أخرى؟ والحكم على الراوي عندي فرع من الحكم على جملة أحاديثه، فلِمَ عكستم أنتم المسألة في حقي وحسبتم أو جعلتم حُكْمي على كل حديث من أحاديثه فرعاً من حكمي العام المجمل الذي جعلته له – أي للراوي - من أجل اختصار التعبير عن حاله وتلخيصه ومن أجل أن يكون ذلك التلخيص أصلاً في أحاديثه يصار إليه عند الحاجة، وليس من أجل أن يكون نصاً في كل حَديثٍ حدِيثٍ منها؟ ما لكم كيف تقدمون الأثر على العين والغائب على الشاهد والعام على الخاص؟! وما لكم تعارضون بين الحكم العام والحكم الخاص وتريدون إبطال أحدهما بالآخر، وتريدون الحكم بالتناقض على من حكم بهما).
نعم، كيف يستقيم ذلك الاعتراض ويتجه ذلك الإنكار ونحن ما تعلمنا ضعف هذا الراوي إلا من ذلك الناقد؛ أفيصح أن نخطّئ مَن علم من التفاصيل ما لم نعلم مجمله إلا منه؟! إن هذا لهو موضع المثل الشهير:
وكنت أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بالعجائب.
وأذنْ لي أيها القارئ أن أكرر تكريراً آخر – لأجل بيان أو توكيد هذا المعنى الخطير الذي صار غريباً – فأقول: إن المبدأ وأصل الأصول عند أئمة العلل والتفصيل هي التفاصيل، وإن أصل الأصول عند علماء القواعد والأصول هي تلك الأصول العامة والقواعد الواسعة عليها يجمدون وعنها يدافعون؛ ولا يستوي هذان المنهجان؛ وإن الإنكار على عالم العلل الذي ضعف راوياً وقَبِلَ – مع ذلك - بعض حديثه إنما هو يشبه من كل الوجوه أو من وجوه كثيرةٍ الإنكارَ على مدير المدرسة الذي حكم بفشل الطالب ورسوبه بأن ذلك الطالب قد نجح في بعض دروسه، ولا شك أن مِثل هذا الإنكار باطل وظالم يدفعه العرف ويستسقمه العقل، والله المستعان.
الفرق الثاني: -----.
أكتفي بهذا القدر من المقالة المشار إليها؛ وأنتقل إن شاء الله إلى تنبيه آخر يأتي في المشاركة القادمة، بتوفيق الله وتيسيره، ولكن قد يتأخر ذلك بعض الشيء، دفعاً للملالة وأخذاً بمبدأ التدرج.
¥