قال الشيخ عبدالله السعد حفظه الله وثبته ونفع الأمة بعلمه في تقديمه لبعض طبعات (إرشاد الفحول) للشوكاني: (ثم توالت المصنفات بعد الرسالة [يعني رسالة الإمام الشافعي] في علم أصول الفقه؛ وقُسمت هذه المؤلفات إلى قسمين من حيث المنهج
1 - طريقة الفقهاء
2 - طريقة المتكلمين
ولا شك أنها على قسمين، ولكن غير ما تقدم.
وإنما القسم الأول ما كان على طريقة الشافعي من تعظيم لكتاب والسنة والاعتصام بهما وذكر الأدلة الشرعية الإجمالية وبيان مراتبها وربط الأصول بالفروع من خلال الإكثار من ضرب الأمثلة ومناقشة المسائل الخلافية بالحجة الشرعية والبرهان الصحيح وترك المسائل النظرية والإعراض عن المباحث الكلامية والفلسفية و ... .
وممن سار على هذا المنهج الخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) وأبو بكر البيهقي في (المدخل إلى السنن الكبرى) ومقدمة (معرفة السنن والآثار)، و (مقدمة دلائل النبوة)، وأبو عمر ابن عبدالبر في (جامع بيان العلم وفضله)، فقد تحدث فيه عن بعض المسائل الأصولية، و (أعلام الموقعين) لأبي عبدالله ابن القيم وغيرها.
وأما الطريقة الثانية ففيها الإكثار من ذكر المسائل النظرية والبحث في مسائل كلامية وقضايا منطقية مع عدم الإكثار من ضرب الأمثلة وربط الأصول بالفروع، فأدى هذا إلى تعقيد هذا العلم مع قلة الفائدة المرجوة من هذه الطريقة، قال أبو العباس بن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) (20/ 402): (فالأصوليون يذكرون في مسائل أصول الفقه مذاهب المجتهدين كمالك والشافعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وداود ومذهب أتباعهم؛ بل هؤلاء ونحوهم هم أحق الناس بمعرفة أصول الفقه، إذ كانوا يعرفونها بأعيانها ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام، بخلاف الذين يجردون الكلام في أصولٍ مقدرةٍ بعضها وُجد وبعضها لا يوجد، من غير معرفة أعيانها، فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقاً فهو قليل المنفعة أو عديمها؛ إذ كان تكلماً في أدلة مقدرة في الأذهان لا تحقُّقَ لها في الأعيان، كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من أفعال العباد وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه، فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات فهو كلام باطل).
وقال أبو المظفر السمعاني في (قواطع الأدلة) (1/ 18): (فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة ولم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه؛ ورأيتُ بعضَهم قد أوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير ولا نقير ولا قطمير، ومن تشبع بما لم يُعطَ فقد لبس ثوبي زور ... اهـ).
الثالث: عدم فهمهم - أو عدم تيقنهم - أن القواعد إنما أوجدها أصحاب الطائفة الأولى - شأنهم في ذلك شأن أصحاب كل علم صحيح - ليكون الاستناد إليها والتفريع عليها عِوضاً عن التفاصيل عند فقدانها في مسألة جزئية من مسائل ذلك العلم، وملجأ للباحثين عند تعذر المعرفة التحقيقية الدقيقة، كما تقدم.
إن جادّةَ جمهور المتأخرين في علومهم إنما هي بناء الأحكام الفرعية على الأصول العامة، فكأنهم لذلك ظنوا أن المتقدمين كذلك كانوا، وما علموا أن المتأخرين والمتقدمين ليسوا سواء، فالمتقدمون طريقتهم بناء الأصول على الفروع، ثم إعطاء الفرع – أي المسألة الجزئية - إذا جُهل وصفه وتفصيله حكمَ الأصل العام، كما تقدم بعضُ أمثلته؛ وأما إذا عُلم من الفرع أيُّ تفصيلٍ مختص به فيكون الاستناد في الحكم عليه: على هذا التفصيل لا على ذلك الإجمال والتعميم.
هذا وإن شئت فقل هنا بدل ما تقدم من التعبير: إن المتقدمين والمتأخرين تماثلوا في المبدأ واختلفوا في التطبيق، فكل واحد من الطائفتين يبني فروعه على أصوله، ولكن المبني عليه عند المتقدمين هو الأحكام التفصيلية، والمبني هو الأصول والضوابط المجملة؛ وأما المتأخرون فعلى الضد من ذلك، فقاسوا المتقدمين عليهم فكان ذلك القياس فاسداً عند المحققين بلا منازع، بل معكوساً ومضاداً للواقع.
¥