وهكذا يستمر أحياناً تنازلُ طائفة العلل والتفصيل في الحكم على بعض الجزئيات إلى أن تبتعد كثيراً عن الاستناد إلى التفصيل المفيد وتقترب جداً من الاتكاء على الإجمال البعيد، أعني: يكون الحكم على القضية الجزئية حكماً تغليبياً وتخمينياً لأنه يستند إلى حكم عام مجمل؛ وأصل غير قريب، ولكن لا عيب عليهم في ذلك، فليس على العالم أن يعلم ما لا يوجد علمه بين الناس، ولكن عليه أن لا يقصر في طلب النافع من العلم وجمعِ أشتاته واستظهار خوافيه، ولا سيما في فنه الذي يتكلم فيه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ومثال ذلك – أي القناعة بالاستناد إلى العلم المجمل - أن يردوا الحديث لما فيه من عنعنة راو مدلس مكثر من التدليس؛ لأنهم لا يعرفون من كيفية تحمل ذلك الراوي لذلك الحديث خاصةً شيئاً، بل ولا يعرفون من التفصيل في عنعنة ذلك الراوي أكثر من أنهم يعرفون أنه مدلس مكثر من التدليس؛ وهذا بخلاف بعض أحاديث بعض المدلسين فترى النقاد يستثنونها ويحكمون فيها بحكم مختص بها، فيقولون مثلاً: فلان المدلس سمع هذا الحديث من شيخه زيد باعتراف زيد نفسه، أو بشهادة فلان من أقرانه أو تلامذته، أو بدلالة كذا وكذا، أو هو مكثر عن زيد جداً طويل الملازمة له فلا تضره عنعنته عنه ويكون لها خاصة حكمُ الصيغ الصريحة في السماع.

ومثال الاستناد إلى أصل عام أيضاً أن يمر بهم تابعي صغير مجهول ولكنه من شيوخ مالك وهم لا يعرفون عنه شيئاً فيقولون: هو ثقة لرواية مالك عنه، مستندين على حكم عام وأصل أغلبي وهو أن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة عنده؛ مع أنه قد عُلم روايته عن عدد يسير من الضعفاء.

فإذن الاستناد إلى القواعد الكبرى والضوابط الواسعة والأصول البعيدة لا يكون – عند الطائفة الأولى – إلا عند فقدان تفاصيلها التي من شأنها أنها تحرص جداً على تحصيلها؛ وهي مع ذلك تتدرج، بل تتدرك، في نزولها من علمِ فرعٍ ضيق تعجز عنه إلى علم فرع يكون أوسع من الأول وأعم منه وأشمل، وهي في كل ذلك – كما ذكرنا - مضطرة غير مختارة؛ فهي تحرص على الفروع والتفاصيل وتجمد عليها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، أكثر من حرص أهل الأصول والقواعد وجمودهم على أصولهم وقواعدهم.

فالقواعد والأصول عند الطائفة الأولى وجدت للحاجة واختصار التعبير، وتيسير الحفظ وتسهيل التعليم، وهي لا يصار إليها أو يُستند عليها - بل ولا يُلتَفتُ إليها - إلا عند فقدان ما يغني عنها ويفْضُلها من العلم الأكثر تفصيلاً والأكمل تصريحاً والأبين تفسيراً.

وأما الطائفة الثانية، فإنها ظنت – غيرَ موفَّقةٍ في كثير من ذلك الظن - أن العلم هو القواعد والأصول، وأن تلك الأصول يجب أن تكون حَكَماً على التفاصيل وحُكماً لها؛ وأنه لا يصح أن يُقبلَ قولٌ يخالف قاعدة شائعة أو يخرج عن أصل معتبر، إلا بدليل تقتنع به هذه الطائفة نفسها.

فلو قال عالم من علماء الطائفة الأولى - وهم أئمة العلل والتفصيل -: هذا الراوي من شيوخ مالك ضعيف، أو قال: هذا الحديث من أحاديث المدلس الفلاني متصل، قاموا عليه وعارضوه بنحو قولهم: أخالفت الأصل أو نسيته؟! وهو لم يخالفه ولم ينسه.

فصنيعهم لو تدبرتَه وجدتَه من باب تقديم العام على الخاص، أي من باب حمل الخاص على العام؛ ومعلوم أن هذا أصل باطل لا يحق ومنهج أعوج لا يستقيم.

فإن قيل: لِمَ فعلتِ الطائفةُ الثانيةُ ذلك؟

فالجواب أنهم أُتوا في ذلك من أمور:

أولها: نقص كبير في الوقوف على التفاصيل، فأدى بهم ذلك إلى الغلو في القواعد والأصول والمبالغة في الرجوع إليها والاعتماد عليها، وتفاقم الأمر إلى أن وصل ما إليه وصل.

الثاني: النظرة المنطقية التي تدأب وتحرص أبداً على أن تجعلَ كلَّ فرع داخلاً تحت أصل عام لا ينبغي أن يُخرج عنه إلا في حالات نادرة جداً ولأدلةٍ مسوغةٍ للخروج تكون كالشمس في وضوحها؛ وهذه التربية المنطقية تسربت إليهم من محدثي الفقهاء، ومن الفقهاء والأصوليين المتأثرين بعلم المنطق والكلام، وهي في الأصل مأخوذة من أصحاب هذين العلمين أنفسهم، أي من المتكلمين والمناطقة، بل ومن الفلاسفة أيضاً، وهم أصل كل داءٍ وبلاء.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015