والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه: قولُ الله جل ذكره "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" [الحجرات: 6]؛ وقال جل ثناؤه: "ممن ترضون من الشهداء"؛ وقال عز وجل: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" [الطلاق: 2]؛ فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق مقبولٌ وأن شهادة غير العدل مردودة؛ والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول ثم أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم؛ ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"؛ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب؛ ح؛ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أيضاً حدثنا وكيع، عن شعبة وسفيان، عن حبيب عن ميمون بن أبي شَبيب عن المغيرة بن شعبة: قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك).
قال ابن الصلاح في (صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط) (ص118 - 119): (ذكر مسلم من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"؛ فوجدته بخط الحافظ الضابط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري رحمه الله ها هنا مضبوطاً يُرى، بضم الياء، و"الكاذِبِين" على الجمع؛ ووجدت عن القاضي الحافظ المصنف أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي أنه قال: الرواية فيه عندنا "الكاذِبِين"، على الجميع؛ قلت: رواه الحافظ الكبير أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "المستخرج على كتاب مسلم" في حديث سمرة بن جندب "الكاذبَين"، على التثنية فحسب؛ واحتج به على أن الراوي لذلك يشارك في الكذب مَن بدأ بالكذب عليه صلى الله عليه وسلم؛ وفي هذا تفسيرٌ منه لمعنى التثنية حسنٌ؛ ثم ذكره في روايته إياه من حديث المغيرة بن شعبة "فهو أحد الكاذِبَين أو الكاذبِين، على الترديد بين التثنية والجمع؛ ووجدت ذلك مضبوطاً محققاً في أصل مأخوذ عن أبي نعيم مسموعاً عليه مكرراً في موضعين من كتابه؛ وقدَّم في الترديد التثنية في الذكر؛ وهذه فائدة عالية غالية ولله الحمد الأكمل.
وأما الضم في "يُرى" فهو مبني على ما اشتهر من أنه بالضم يستعمل في الظن والحُسبان، وبالفتح في العلم ورؤية العين؛ وفي حفظي أنه قد يستعمل بالفتح بمعنى الظن أيضاً، كما يُستعمل العلم بمعنى الظن).
[6] الجهبذ كلمة معربة جمعها جهابذة؛ ومعناها النقاد الخبير بغوامض الأمور.
[7] النحل (43) والأنبياء (7).
[8] كذا في المطبوع ولا أدري أهي محفوظة أم مصحفة عن نحو (نُقّال) أو (نَقَلة).
[9] لعلها ينتبه أو يثبته أو يتبينه.
[10] وانظر (مجموع الفتاوى) (1/ 7 - 8)
[11] أخرجه الذهبي بإسناده في (سير أعلام النبلاء) (10/ 70).
[12] أخرجه ابن حبان في مقدمة (المجروحين) (1/ 26)
[13] المجروحين (1/ 27).
ـ[الحمادي]ــــــــ[14 - Jul-2007, مساء 03:06]ـ
بارك الله فيكم يا شيخ محمد
متابعٌ للموضوع ومفيدٌ منه، نفع الله بكم
ـ[محمد خلف سلامة]ــــــــ[14 - Jul-2007, مساء 03:10]ـ
التنبيه الرابعليس معنى التبيه السابق سد باب النقد الحديثي أو باب التقوية بكثرة الطرق
علم التقوية بكثرة الطرق هو – كما تقدم - فرع من فروع علم العلل، ومسألة من صعاب مسائله، فهو خروج عن الأصل العام لأحاديث الراوي الضعيف إلى حكم استثنائي اقتضاه النظر المتبحر في الروايات الأخرى لذلك الحديث؛ وهو - بهذا - نظير تضعيف حديث الثقة، فهو - أعني تضعيف حديث الثقة - أيضاً حكم استثنائي اقتضاه النظر الفاحص المتعمق في الروايات الأخرى للحديث.
فإذا كان هذا الفن هو من فروع علم العلل، فهل معنى ذلك سد باب التقوية بكثرة الطرق لانعدام علماء العلل اليوم؟ [هذا على افتراض انعدامهم، وقد يكون هذا الافتراض هو الواقع].
الجواب: لا، لأن هذا القول يؤدي إلى إبطال البحث والاجتهاد في علم الحديث جملة وتفصيلاً، وهو قول باطل، فلازمه باطل مثله.
ولكني أقول: إن المسألة المعقدة المشكلة التي كان عالم العلل يتكلم فيها بطلاقة ويمر فيها كالسهم، قد يتمكن الباحث اليوم من دراستها وإصدار الحكم فيها، ولكن بشروط:
الأول: أن يكون قد فهم جيداً أصول علماء العلل وطرائقهم ومناهجهم واصطلاحاتهم.
الثاني: أن يتقي الله كثيراً ويتثبت التثبت الذي يستحقه الحكم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو - قطعاً - أخطر من الإفتاء، لو كانوا يعلمون!
الثالث: أن يجد من نفسه أنه من أهل الفطنة والذكاء والنباهة وقوة الملاحظة، وأن يشهد له بذلك الصادقون العارفون من مشايخه، أو غيرهم من أصحاب الشهادة المعتبرة.
الرابع: أن يتعب نفسه في البحث والتفتيش فيصل من ذلك إلى حد يرى أنه قد استوعب وجوه المسألة وأقوال علماء العلل فيها أو في بابها أو في أمثالها.
الخامس: أن يعلم ذلك الباحث أنه إذا تأهل فشارك في اكتشاف علل بعض الأحاديث، التي يرى هو أنه غير مسبوق إليها، فإنه ليس معنى ذلك أنه صار من علماء العلل، وإنما هو باحث في علم العلل، وحسْب.
فالحكم التعليلي الذي كان يطلقه الإمام أحمد أو أبو زرعة في دقيقة، ثم صار يُصْدره الخطيب البغدادي في دقائق أو ساعات، ثم صار ابن حجر يصدره في أيام: صار هذا الباحث يقدر على إصدار حكم مثله، ولكن بعد استقراء تام وتفتيش شامل واستعانة بأقوال العلماء وبحوث الباحثين، وقد يستغرق ذلك منه أياماً طويلة، وربما أشهراً كثيرة، بل ربما رجع بعد كل ذلك البحث الدائب المتواصل بخفي حنين، أو صرح بالتوقف في المسألة أو العجز عن معرفة وجه القول فيها.
فإذن لا بد من التثبت والتحري والتوقف طويلاً قبل أن يخوض المرء في مثل هذه العلوم الصعبة، فأين علم العلل وأين أهله؟!
اللهم بارك لنا في علمائنا المعاصرين من أهل السنة والجماعة كما باركت في علمائنا السابقين.
وفي المرة القادمة يأتي تنبيه آخر، بإذن الله
¥