وقبل ذلك قال أحد علماء التابعين ومشاهيرهم وهو الإمام الزهري رحمه الله، لأبي بكر الهذلي: يا هذلي أيُعجبك الحديث؟ قال: نعم، قال: أما إنه يعجبُ ذكور الرجال ويكرهه مؤنثوهم [12].

هذه المعاني عَرَف حقائقها الجادون الموفّقون أصحاب الهمم العلية من طلبة العلوم الشرعية، عرفوا من علم الحديث منذ نشأته هذا الذي وصفتُه أو حكيتُه لك من صعوبته ووعورة مرتقاه وعزة مناله، وعرفوا مع ذلك فضْلَ هذا العلم الشريف وخطره، فشمروا عن ساعد الجد، وراحوا يجوبون أقطار الأرض ليسمعوا كل ما يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف، فسمعوه وكتبوه، ثم بعد ذلك جعلوا يتحفظونه فحفظوه في صدورهم، ووثَّقوا حفظهم هذا وعضدوه بحِفاظهم على كتبهم كما كتبوها أول مرة، إلى أن يبلِّغوا ما فيها لمن هم على شاكلتهم، ولم يقفوا عند هذه الدرجة بل حرصوا غاية الحرص على تمييز ما ثبت من ذلك المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وغيرهم من متقدمي العلماء عما لم يثبت منه بطريقة نقدية فريدة ما عرفها العالَم قبلَهم، فهي من خصائص هذه الأمة المباركة، فكانوا كما وصفهم ابن حبان رحمه الله إذ قال: (فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين، وهدوهم إلى الصراط المستقيم، الذين آثروا قَطْع المفاوز والقِفار، على التنعم في الديار والأوطان في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالوجل والأسفار، والدوران في جميع الأقطار، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدخِل مضلٌّ في السنن شيئاً يُضلُّ به، وإن فعل فهم الذابّون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكذب والقائمون بنصرة الدين) [13].

ولما كان هذا العلم – كما سلف وصفُه به - صعباً عصياً متأبياً على غير أهله، واجتمع إلى ذلك تفاوت طلابه في عقولهم واجتهاداتهم وهممهم وقدراتهم وأحوالهم ومقدار توفيق الله لهم وعونه إياهم: نتج عن ذلك أن علماء الحديث ليسوا على مرتبة واحدة في التمكن منه وحسن الفهم فيه وقوة النظر في مسائله ومتانة العلم بأحكامه وكثرة الإصابة فيه، بل هم على مراتب لا يعلم قدرها ولا حقيقتها إلا الذي هو بكل شيء عليم.

فمن سلك سبيلهم من المتأخرين والمعاصرين من العلماء والباحثين، فلا بد له أن يعرف قدرهم وأن يعرف قبل ذلك قدره بالنسبة إليهم، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.

إن هذا التهاون في النقد الحديثي هو الذي أدى إلى ذلك التوسع والتساهل في التقوية بكثرة الطرق، وإني لأعجب ممن يعظم أمر الفتوى جداً، وهي جديرة بذلك ولكنه مع ذلك يتهاون في تصحيح الأحاديث وتضعيفها وهي أصل الإفتاء واستنباط الأحكام الشرعية!

وانظر التنبيه التالي.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] النحل (43) والأنبياء (7).

[2] ومثله يقال في نقد الأحاديث وتخريجها والحكم عليها، وأولى منه انتقاد النقاد.

[3] مقدمة المعلمي لكتاب ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل) (صفحة ب – صفحة ج).

[4] قلت: ويدخل في هذا الحكم كذلك من صحح في نقده حديثاً غير صحيح، تلاعباً أو تهاوناً، أو تعالماً، وأما العلماء المجتهدون الصادقون المتثبتون الورعون فخطؤهم مغفور بل مأجور، بإذن الله.

[5] أخرجه مسلم في مقدمة (صحيحه) في (باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال: (واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين: أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015