وقال علي بن عاصم - وهو من أوعية العلم لكنه سيء الحفظ -: انا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: إياكم والكذب، فإن الكذب مجانبٌ الإيمان.

قلت: صدق الصديق، فإن الكذب أسُّ النفاق وآيةُ المنافق، والمؤمن يُطبع على المعاصي والذنوب الشهوانية، لا على الخيانةِ والكذب؛ فما الظنُّ بالكذب على الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه، وهو القائل: إنَّ كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على غيري، من يكذب عليَّ بُني له بيتٌ في النار، وقال: من يَقُلْ عليَّ ما لم أقلْ، الحديث.

فهذا وعيدٌ لمن نقل عن نبيه ما لم يقله [4]، مع غلبة الظن أنه ما قاله، فكيف حالُ من تهجَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعمد عليه الكذب، وقوَّله ما لم يقل؛ وقد قال عليه السلام: << من روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين >> [5].

فإنا لله، وإنا إليه راجعون؛ ما ذي إلا بليّة عظيمة وخطر شديد ممن يروي الأباطيل والأحاديث الساقطة المتهم نقَلَتُها بالكذب.

فحق على المحدث أن يتورع فيما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته.

ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرّحهم جهبذاً [6]، إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان؛ وإلا تفعل:

فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سوَّدت وجهَك بالمداد

قال الله تعالى، عزَّ وجلَّ: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [7].

فإن آنست يا هذا مِن نفسك فهماً وصدقاً وديناً وورعاً، وإلا فلا تتعنَّ.

وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأيٍ ولمذهب، فبالله لا تتعب.

وإن عرفتَ أنكَ مخلِّطٌ مخبِّطٌ مهملٌ لحدود الله، فأَرِحْنا منك، فبعدَ قليلٍ ينكشف البهرج وينكب الزغل، ولا يحيق المكرُ السيء إلا بأهله.

فقد نصحتُك؛ فعلم الحديث صلفٌ، فأينَ علمُ الحديث؟! وأين أهلُه؟! كدت أن لا أراهم إلا في كتابٍ أو تحتَ تراب)؛ انتهت هذه النصيحة الذهبية في نسبها ومعناها.

وقال الذهبي أيضاً في (سير أعلام النبلاء) (11/ 82): (ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هم أكثر الناس صواباً وأندرهم خطأ وأشدهم انصافاً وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح فتمسك به واعضض عليه بناجذيك ولا تتجاوزه فتندم، ومن شذ منهم فلا عبرة به، فخلِّ عنك العناءَ وأَعْطِ القوس باريها؛ فوالله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر، ولئن خطب خاطب من أهل البدع فإنما هو بسيف الإسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنه وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فنعوذ بالله من الخذلان).

وقبل ذلك بكثير قال عالم العلل الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج صاحب (الجامع الصحيح) في (التمييز) له (ص218 - 219، مكتبة الكوثر):

(اعلم، رحمك الله، أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفين بها دون غيرهم، إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا؛ فلا سبيل لمن نابذهم من الناس وخالفهم في المذهب، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار مِن نقل [8] الأخبار، وحمال الآثار.

وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم، حتى ينزلونهم منازلهم في التعديل والتجريح.

وإنما اقتصصنا هذا الكلام لكي نثبته [9] مَن جَهِلَ مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه، على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم، والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو سقطوا [كذا] من أسقطوا منهم، والكلام في تفسير ذلك يكثر؛ وقد شرحناه في مواضع غير هذا، وبالله التوفيق في كل ما نؤم ونقصد) [10].

وقبله قال الإمام الشافعي رحمه الله: (عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صواباً) [11].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015