قد تقدمت الإشارة إلى هذا الأمر، ولكني متيقن أن بنا حاجة إلى مزيد من تقريره وتوكيده وتفصيله، فقد بلغ التهاون في الحكم على الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً - وأخص منها التقوية بالطرق - مبلغاً بعيداً عن الحق، فأقول:
إن لكل علم رجاله الذين لا يُحسنه سواهم ولا يصح أن يستند فيه إلى غيرهم؛ قال تعالى (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [1]؛ ومن هذه العلوم علم الحديث؛ فهو أولى العلوم بالتسليم لأهله والرجوع به إلى أصله، وأحراها أن يحذر المرء أن يخوض فيه بعقله؛ لأنه عِلم لا يشبهه في نقله ولا نقدِه علمٌ آخرُ غيرُه.
أما نقْلُه فمبنيٌّ على الحفظ الواسع العجيب والضبط التامِّ المتقَن، والأمانة التي لا يتطرّق إليها شكٌّ، والتعب الذي لا تخففه راحة، والتقوى والورع والاحتساب؛ ومَن يَقدرُ على مِثل ما قدر عليه حفاظ الحديث وحملتُه؟!
وأما نقده فمبني على الاطلاع الواسع، بل الشامل، والحذقِ التامِّ، والفطنة الكاملة، والتدقيق المتناهي في دراسة القرائن وفحصِها، واستكشاف معانيها وتجميع دلالاتها، والرسوخ في استنباط ما كمُن وراء العبارات واستخفى تحت الإشارات، وعلى أمورٍ أخرى غيرِ قليلة من ملَكاتٍ وصفاتٍ وأحوالٍ وأفعال.
وما أحسن ما قاله فقيه النقد الحديثي في هذا العصر العلامة المعلمي اليماني رحمه الله تعالى إذ قال: (ليس نقدُ الرواةِ [2] بالأمر الهيِّنِ، فإنَّ الناقدَ لا بدَّ أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرفَ أحوالَ الراوي: متى وُلد؟ وبأيِّ بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفُّظ؟ ومتى شَرَع في الطلب؟ ومتى سَمِع؟ وكيف سَمِع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابُه؟؛ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم، وبلدانَهم، ووفَيَاتِهم، وأوقاتَ تحديثِهم، وعادتهم في التحديث؛ ثم يعرف مروياتِ الناس عنهم، ويعرض عليها مروياتِ هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحُه؛ ويكون مع ذلك متيقظاً، مُرْهَفَ الفهم، دقيق الفطنة، مالكاً لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزّه الغضب، ولا يستخفّه بادرُ ظنٍّ حتى يستوفيَ النظرَ ويبْلُغَ المَقَرّ، ثم يُحْسن التطبيق في حُكمه، فلا يجاوز ولا يقصِّر.
وهذه المرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال، لم يبلغْها إلا الأفذاذ؛ وقد كان مِن أكابر المحدثين وأجلَّتِهم من يتكلم في الرواة فلا يُعَوَّل عليه ولا يُلتفت إليه؛ قال الإمام علي بن المديني، وهو من أئمة هذا الشأن: << أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحداً إلا وقعوا فيه >>؛ وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نقلَ شيءٍ من كلامهما) [3].
انتهى كلام العلامة المعلمي، ولقد سبقه إلى مقصد هذا الكلام في الجملة الأئمة، كالذهبي فقد قال في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من (تذكرة الحفاظ)، وهي أول تراجم الكتاب: (ومِن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم، فقال: إنكم تُحدِّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدُّ اختلافاً، فلا تحدِّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتابُ الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه.
فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبُّت في الأخبار والتحري، لا سدُّ بابِ الروايةِ، ألا تراه لمّا نزل به أمرُ الجَدَّة ولم يجده في الكتاب، كيف سأل عنه في السنَّة، فلما أخبره الثقةُ ما اكتفى حتى استظهر بثقةٍ آخر؛ ولم يقل: << حسبنا كتاب الله >>، كما تقوله الخوارج.
وحدَّث يونس عن الزهري أن أبا بكر حدَّث رجلاً حديثاً فاستفهمه الرجل إيّاه، فقال أبو بكر: هو كما حدثتُك، أيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا أنا قلتُ ما لم أعلم.
وصحَّ أنَّ الصديق خطَبهم فقالَ: إياكم والكذب، فإن الكذبَ يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.
¥