8 - وَقولُ حَمْزةَ السّهميّ: وَسَمعتُ أبَا بكر بنَ المُقري يقولُ: سَألتُ أبا عَرُوبةَ، قُلتُ: رَجُلٌ بِحِمْص يُقَالُ لهُ وجيه القانعة () حَدّثَ بحديثٍ عَنْ ابنِ المُصفّى، عَنْ بَقيةَ، عَنْ شُعْبة، عَنْ سماك عَنْ عكرمة عَنْ ابنِ عبّاس "أنَّ النبي ? أجَازَ شهادةَ أعرابيّ في رؤيةِ الهلال"، قَالَ أبو عَرُوبةَ: هذا عندي باطلٌ، كَتبتُ كتابَ شُعْبة عَنْ ابنِ المُصفّى مِنْ أولهِ إلى آخرهِ مِنْ أصلهِ فَمَا رأيتُ فيهِ مِنْ ذا مرسلاً ولا مسنداً، وإنّما يعرفُ هذا الحَدِيث مرفوعاً مِنْ حَدِيثِ زَائدةَ عَنْ سِمَاك ().
9 - وتأملْ ردّ أبي حَاتِم على قول يحيى بنِ معين: ((ليسَ لهُ أصلٌ، أنا نظرتُ في كتاب إسحاق فليسَ فيهِ هذا)) قالَ: ((كيفَ نَظَرَ في كُتبهِ كلّهِ، إنّمَا نَظَرَ في بعضٍ، وربما كَانَ في موضعٍ آخر)) ()، فلم يقل أبو حَاتِم-وهو من الأئمة الكبار-: ((هو من محفوظه دون أن يكون مكتوباً)) -مع أنَّ هذهِ الجملة:"هو من محفوظه ... "من حيثُ الرد أسهل- لأنه كان مستقراً عندهم أنّ عدمَ وجودِ الحَدِيث في كتابِ الراوي دلالة أو قرينة على أنه لا أصل له عنده، لذا قَالَ: ((وربما كَانَ في موضعٍ آخر)) ().
وعَجَبي لا ينقضي مِنْ قولهِ: ((فهذا ما لا يمكن ردّه في علم الرواية)) فمن هُمْ روّاد علم الرواية؟ ومن أينَ أُخذتْ أصول علم الرواية؟ ومَنْ الذي يحتجُ بأقوالهم وتطبيقاتهم في علم الرواية؟
إذا لم يكن شُعْبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، أحمد بن حنبل والبخاريّ، وأبو حَاتِم روّاد هذا العلم فمن يكون!.
وقد أحسنَ الحافظ أحمد بن صالح () في قولهِ: ((معرفةُ الحديثِ بمنزلةِ معرفةِ الذهب -أو قَالَ: الجوهر-، إنما يبصرهُ أهلهُ)) (). -راجع القصة رقم (18) وتأمل-.
وَقسْ على هذهِ المسألة مسائل عديدة في علوم الحَدِيث؛ مسائل في التصحيح والتضعيف، ومسائل في الجرح والتعديل، ومسائل في علل الأحاديث وغيرها من المسائل التي لو نَظَرَ فيها طالبُ العلمِ نظرَ المستفيد، المتلمس للمناهج لعَرَفَ مناهجَ النقاد، وطرائقهم في علوم الحَدِيث ().
ــــــــــــــ الحواشي
() يعني حَدِيث: ((لا يجوع أهل بيت عندهم التمر))، وحديث ((نعم الإدام الخل))، وكلام النقاد منصبٌ على رواية يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال هذه، وأمّا متن الحديثين فقد وَرَدَ من طرق أخرى صحيحة.
() علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج لابن عمار (ص: 109).
() المرجع السابق.
() تنبيهٌ: كتب الرواة وأصولهم -وما يتفرع عنهما من مباحث-من المسائل الهامة في علم الحَدِيث، ولها تعلق خاص ودقيق بمبحث الجرح والتعديل، ومبحث علل الحَدِيث، ولم أر إلى الآن دراسة شاملة ودقيقة عن هذا الموضوع تقوم على الاستقراء التام: لكتب الجرح والتعديل، وكتب العلل -التطبيقية والنظرية-، وكتب علوم الحَدِيث، ومِنْ ثمَّ تحليل النصوص ودراستها في ضوء تطبيقات النقاد، مع الاستفادة من كلام ابن رجب في شرح علل الترمذي، وكلام المعلمي في التنكيل، وفي ظني أنّ هذا الموضوع صالح لأنْ يكون دراسة علمية أكاديمية.
() ذكرُ ابنِ جُريج هنا متعلق بحكاية ابن عُلَيّة المشار إليها، والنص أخرجه الحاكمُ في المستدرك (2/ 169) -ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 105) - قَالَ: ((أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب حدثنا أبو حَاتِم محمد بن إدريس الرازي قَالَ: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ وذكر عنده أنّ ابنَ عُلَيّة يذكر حَدِيث ابن جُرَيج في "لا نكاح إلا بولي" قَالَ ابن جُرَيج: فلقيتُ الزُّهريَّّ فسألته عنه فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى قَالَ أحمد بن حنبل: إنَّ ابن جُرَيج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه يعني حكاية ابن عُلَيّة عَنْ ابن جُرَيج)).
() العلل (1/ 408رقم1224)، وانظر أيضاً العلل المسائل رقم (487)
() مسائل الإمام أحمد -ر داود- (ص386رقم1860) -تحقيق: طارق بن عوض الله-، الكامل (1/ 246)، المنتخب من العلل للخلال (ص159رقم80)، شرح علل الترمذي (2/ 596).
() هو: الذهليّ.
() سؤالات البرذعي (ص748).
() شرح علل الترمذي (2/ 757).
() المرجع السابق (2/ 758).
() من كلام أبي زكريا في الرجال (ص113رقم362).
() فتح الباري (3/ 307).
() تاريخ مدينة دمشق (36/ 183)، شرح علل الترمذي (2/ 752).
¥