ومن الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في "الثقات" وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (ج 1 / ص 14) واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيراً من الأئمة يبنون عليه فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولَم يبلغه ما يوجب طعناً في دينه وثقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف" اهـ.
قلت - والكلام للشيخ السعد -: هذا الكلام الذي قاله المعلمي ظاهر لمن تتبع كلام هؤلاء الأئمة وهو كلام نفيس في هذه المسألة وقد سبقه إلى نحوه الذهبي كما تقدم وكل الذين ذكرهم المعلمي ذكرهم الذهبي في "الميزان" ونصّ على جهالتهم أو أشار إلى ذلك فقد تقدم كلامه عن أسقع، وقال عن الحكم بن عبدالله: لا يعرف. وقال عن وهب بن جابر: لا يكاد يعرف. وقال عن أسود بن مسعود: لا يدرى من هو. وقال عن قدامة بن وبرة: لا يعرف.
وممن يقوي المجاهيل أحيانا - أو من ليسوا بمشهورين - إذا احتفت بحديثهم القرائن:
2. أبو عبدالرحمن النسائي، ومن الرواة الذين قواهم ... ). الخ كلامه.
ومما وقفتُ عل كلامه بعد كتابة ما تقدم مما علق عليه صاحبنا قولُ الفاضل الشيخ خالد الدريس في دراسته القيمة عن الحديث الحسن وهو بصدد الحديث عن أن الجهال في طبقة التابعين لا يتشدد فيها ... وبعد أن أورد عدة نصوص عن أئمة أعلام استفدتُ منه في نقل بعضها فيما تقدم = قال: ( ... بل أكثر من ذلك قال العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي - وهو من أهل الاطلاع الواسع والنظر الثاقب في علم الجرح والتعديل -: " والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة، بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد ... " ... ).
وممن فَهِم عن ابن معين ما فهمناه صاحبنا نفسه ... فقد قال في طي سؤاله للشيخ المليباري وهو بصدد تفصيل مذاهبهم في توثيق من قلّ حديثه وقّل الرواة عنه: ( ... مذهب توثيق قليل الحديث، من ليس بالمشهور حتى لو لم يكن له إلا حديثٌ واحد. وهو مذهب محمد بن سعد (مع المدنيين)، وابن معين و النسائي وأبو نُعَيْم والبزّار وابن جرير الطبري والدارقطني والبزار وأبو زرعة الرازي. كل هذا وجدت من نصّ عليه ووجدته بالاستقراء كذلك. .. ).
وتبقى مسألة مراد الإمام ابن معين بكلمة " ثقة " في وصف أمثال هؤلاء ... وقد أجاب عنها الشيخ المعلمي بقوله المتقدم الذي نقله صاحبنا: ( ... فإن شئت فاجعل هذا رأياً لأولئك الأئمة كابن معين ... ) ... فأي لوم على من نسب توثيق مثل أؤلئك لابن معين ... وزعم أن العلامة المعلمي ذكر ذلك عنه؟ ... و إن أردتَ ذكرتَ قول العلامة المعلمي: ( ... وإن شئت فاجعله اصطلاحاً في كلمة "ثقة" كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة ... ) ... وجعلتَه تفسيرا لكلمة ثقة في حق أؤلئك ...
وهذا ما يؤيده الفاضل المليباري في جوابه لصاحبنا ... والذي يهمنا من هذا كله أن مثل هؤلاء الرواة الذين يصفهم ابن معين وغيره بالثقات حديثهم مقبول صحيح أو حسن إذا سلم من علة ... والثقات عند أهل هذا الشأن طبقات ... كما أن الصحيح من الحديث مراتب ... وقد جرى عمل جماعة من الأئمة الماضين في كتبهم التي اشترطوا فيها صحة ما يذكرون على ذلك ... وقدوتهم وأسوتهم إمامهم مالك بن أنس الأصبحي العربي صليبة ... والله غالب على أمره.
ـ[الباجي]ــــــــ[04 - صلى الله عليه وسلمug-2007, صباحاً 07:20]ـ
الحمد لله.
... ...
أما زعم متأخري المالكية أن مالك يرى توثيق كل نساء موطأه فدعوى لا برهان لها. .
تقدم قول الإمام يعقوب الفسوي: ( ... ومن كان من أهل العلم ونصح نفسه علم أن كل من وضعه مالك في موطائه وأظهر اسمه ثقة، تقوم به الحجة). وسيأتي قريبا كلام غيره من أهل العلم ... متضمنا برهانا يفقهه أهل العلم.
وفي اخراج الإمام مالك أحاديثهن وغيرهم من الرجال الذين لم يشتهروا ولم يوثقهم أحد ... ولم يجرحهم أحد ... وهم من طبقة التابعين ... ولم يرووا منكرًا دليل على أنهم في درجة من يقبل حديثهم ويحتج به عنده ...
ـ[الباجي]ــــــــ[04 - صلى الله عليه وسلمug-2007, صباحاً 07:35]ـ
الحمد لله.
وهذا الإمام الشافعي -وهو أفقه من رَوى عن مالك- يجهّل امرأة أخرج مالك حديثها. .
سبق بيان ما في هذا من الخطأ ... وللإمام الشافعي أن يحتج بما يراه وفق اجتهاده ... وله أن يردّ كذلك ... ولغيره من الأئمة المجتهدين هذا ... وللإمام مالك أن يحتج بمن عرفه ... فليكن توثيق أو قل قبول مالك مقابلا لتجهيل غيره من الأئمة الكرام ... ؟ ومجال القول متسع هنا ... ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالجيد.
¥