فَهذهِ الأَحاديثُ الأربَعَةُ ذَكَرَ: أَبو عُمرَ يُوسِفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ بنِ عبدِ البرِّ النَّمري الإِمامِ (الذي تَفَرَّدَ في شَرحِ المُوطَّإِ وَاستِثارَةِ عُلومِهِ، وجمعَ العلومَ بِما لَم يَسْبِق إليهِ سابِقٌ، ولَم يَلتَحِق بهِ لاحِقٌ. والحافظُ الذي كانَ الإمامُ أبو الوَليدِ البَاجِي يَقولُ فيه: (لَم تُخرِجْ الأَندلسُ أعلمَ بالحديثِ مِن أَبِي عُمَرَ بنِ عبدِ البرِّ) قَرأتُ ذلكَ بِخطِّ أَبِي الوَليدِ ابنِ الدَّبَّاغِ عَن شَيخِهِ الحافظِ القاضِي أبِي عليِّ ابن سُكَّرَةَ الصَّدَفِي عَن شَيخِهِ أَبِي الوَليدِ الباجِي - رَحِمَهُم اللهُ وَإِيَّانا -):
أَنَّها لا ذِكرَ لَها فِي شَيءٍ مِن كُتُبِ العُلماءِ؛ إلاَّ في المُوَطَّإِ؛ ولَم يَروِها غيرُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وَلا تُعرَفْ إلاَّ بِهِ، وَلا تُوجَدُ فِي غيرِ المُوَطَّإِ؛ لا مُسنَدَةٍ وَلا غيرِ مُسندَةٍ.
ثُمَّ إنَّها عندَ ابنِ عبدِ البرِّ:
1: مُتَساويَةٌ في أنَّها لا تُوجدُ بِهذا اللفظِ إِلاَّ في المُوَطَّإِ.
2: ومِنقسمَةٌ عِندَهُ في مَجيءِ مَعناها في غَيرِ المُوَطَّإِ:
(أ) فَمنها: ما لَم يَذكُر فيه أَنَّهُ وردَ مَعناهُ بِروايَةٍ تَصِحُّ؛ وهو الحَديثانِ الآخَرَانِ.
(ب) أَمَّا حديثُ: (إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً)؛ فَذَكرَ أَنَّهُ لم يرد بِمعناهُ إلاَّ فيما رواهُ الشَّافِعِيُّ عَن إبراهيمَ بنِ أَبي يَحيَى. قَالَ: (وإبراهيمُ مَتروكُ الحديثِ)، وَلفظُهُ: " إذَا أُنْشِأَتْ بِحُرِّيَّةٍ ثُمَّ اسْتَحَالَتْ شَامِيَّةً فَهُوَ أَمْطَرُهَا " (10). ولَم يُسندُهُ الشَّافعيُّ؛ فهو مُنقَطِعٌ عندَهُ (11).
(ج) وأَمَّا ححديثُ مُعاذٍ؛ فقالَ في كِتابِ التَّقَصِّي (12): (مَعناهُ صَحيحٌ مُسندٌ) ولَم يَذكرهُ فيه، وذكرَ في (التَّمهيدِ) بِإسنادِهِ: حديثَ ميمونِ بنِ أَبي شَبيبٍ، عَن مُعاذٍ: أَّن رَسولَ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " اِتَّقِ اللهَ حَيثُ كُنتَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُها، وَخالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ".
قالَ: وقَد رُوِيَ مِن وجوهٍ عَن مُعاذِ بنِ جبلٍ؛ قالَ: (آخرُ ما أوصانِي بهِ رَسولُ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن قالَ: " لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِن ذِكرِ اللهِ ") ه.
وَكَأنَّهُ أرادَ بِهذا تَوهينَ ما في المُوَطَّإِ في حديثِ مُعاذٍ؛ مِن آخِرِ ما أَوصاهُ بهِ رَسولُ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَتَنَخَّلَ مِن هذا حُكمُهُ بأنَّ حديثَ ليلةِ القَدرِ، وحديثَ: (إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً): لا يَصِحَّانِ أَصلاً؛ لا بِلَفظِهِما المَذكورِ ولا بِمعناهُما.
وأنَّ الحَديثَينِ الآخَرَينِ: لا يَصِحَّانِ باللفظِ الواردِ في الموَطَّإِ، ويَصِحُّ مِن معناهُما القَدْرُ الذي جاءَ في غَيرِهِما؛ وهُو أَصلُ نِسيانِهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَصلُ تَوصيَةِ مُعاذٍ بِحُسنِ الخُلُقِ.
وقَد حدَّثَنا صاحِبُنا أبو طاهرٍ إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاري - وكانَ طَلاَّبَةً للحديثِ جَمَّعَةً لهُ -؛ قالَ: أخبَرني الشَّيخُ أبو محمَّد عبدُ الوَهَّابِ بنِ محمَّد بنِ عبدِ اللهِ الصِّنهاجِي الإسكَندَرانِي - بالإِسكَندَرِيَّة -؛ قالَ: أَخبَرَنِي الشَّيخُ عليُّ بنُ المُشَرِّفِ بنِ الْمُسلِمِ الأَنماطِي - إجازَةً -؛ قَالَ: أخبَرَني أبو زَكرِيّا عبدُ الرَّحيمِ بنُ أحمدَ البُخاريّ؛ قالَ: سَمعتُ الحافظُ أبا محمَّدُ عبدُ الغَني بنُ سَعيدِ بنِ عليِّ الأَزديّ يَقولُ: سَمعتُ حَمزةَ بنَ محمَّدِ [الكِنانِيّ] الحافظُ يَقولُ: (كُلُّ شَيءٍ رواهُ مالكٌ في المُوطَّإِ مُسنداً أو مُرسَلاً: فقد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن غيرِ جِهَتِهِ؛ إلاَّ حديثينِ: أَحدُهُما: (إنِّلا لأَنسَى لأَسُنَّ)، والآخَرُ: (إِذا أَنْشَأَتْ بَحرِيَّةً)) ه.
قُلتُ: هذا يتضمَّنُ أنَّ حديثَ ليلةَ القَدرِ قَد رُوِيَ أَيضاً بلَفظِهِ أو بِمَعناهُ مِن غيرِ جِهةِ مالكٍ، وهوَ كَذلكَ عَلَىَ ما سَنذكرُهُ إن شاءَ اللهُ تَعَالَى.
[القَولُ الفَصلُ]
¥