وتقدمت الإشارة إلى أن مسألة الجهالة نسبية ... فربما جهل إمام راويا وعلمه آخر ...
والسؤال الآن إذا كان الإمام مالك بالوصف الذي ذكره أهل الحديث؛ كيف تأتى له اخراج أحاديث مثل هؤلاء المجاهيل على رأي من يرى جهالتهم ... ؟ فإما أن يقال: قد عرفهم مالك فلذا أباح لنفسه ذكر مرواياتهم في كتابه؟ وهذا الظن بمثله ... المطابق لما عرف به من حسن الانتقاء وشدة التحري ... وكثرة التمييز ... وإما أن يقال: لم يعلم عنهم شيئا ... وكان جاهلا بهم ... ولكنه لا يبالي فيخرج في كتابه عمن هبّ ودبّ ... وبهذا نضرب بكل ما قيل في حقه من شهادات حسنة عرض الحائط ... بل ويدعونا ذلك إلى الشك في أؤلئك الذين منحوه شهاداتهم ...
وإما أن يقال: إن لبعض المتقدمين من الأئمة النقاد منهجا خاصا في التعامل مع مرويات من فيه بعض جهالة ... وسيأتي مزيد بيان لهذا من كلام صاحبنا نفسه.
قال الشيخ عبد السعد في أول تقدمته للدراسة التي كتبها الشيخ الكثيري حول حديث أم سلمة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - في الحج: (ومن المسائل التي عرض لها في هذا الكتاب وأجاد فيها: مسألة الجهالة، فقد بين متى يقبل حديث المجهول، ومتى يرد حديثه ولا يقبل، فالجهالة في الأصل علة يرد بها الخبر، ولكن أيضا يقبل حديث من ليس بالمشهور وكان فيه جهالة إذا احتفت به القرائن التي تقوي خبره، وبالذات إذا كان من الطبقات المتقدمة كطبقة كبار التابعين ... ). ثم استدل الشيخ بكلمة الإمام الذهبي السالفة ... وذكر في آخر تقدمته القرائن التي تقوي رواية المجهول إذا وُجدت ... فلتنظر هناك.
وقال الشيخ عبد الله الجديع في كتابه تحرير علوم الحديث 1/ 297: (الراوي إذا عرف شخصه من رواية ثقة واحد أو أكثر عنه، ولم يثبت عليه قادح في دينه، وسلم حديثه من المنكرات، فهو عدل ثقة يحتج بخبره.
هذا الأصل في التحقيق منهج عامة المتقدمين من أئمة الحديث في قبول أحاديث النقلة.
فإن الرجل إذا ارتفعت عندهم جهالة عينه، أجروا أمره على السلامة في الدين، ونظروا فيما روى، فحكموا عليه في إتقانه بحسب ما عرف من حديثه وما أُنكر.
ووضوح هذا وشيوعه مستغن عن التدليل عليه بالمثال ... ) الخ كلامه.
وقال الشيخ حمزة المليباري في جواب سؤال - سيأتي كاملا إن شاء الله وعندها يقال: قطع قول جهيزة قول كل خطيب - قدمه صاحبنا ... نعم صاحبنا محمد الأمين بشحمه ولحمه ... : (الذي ينبغي فهمه في ضوء ما ذكرتَ في السؤال هو ما يأتي:
أ – طريقتهم في الجرح والتعديل تعتمد أساسا على سبر أحاديث الراوي ونقدها تصحيحا وتضعيفا، ولا يمكن ذلك إلا إذا كان الراوي مشهورا بالرواية وكثير الأحاديث. وأما إذا كان مجهولا أو قليل الرواية فعند النقاد لتعاملهم مع أحاديثه منهج سليم يتمثل في نظرهم في مدى صحة ذلك الحديث الذي رواه؛ فإن كان منكرا مخالفا لما رواه الناس أو لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة، أو غريبا لا أصل له في روايات غيره، وليس فيها ما يشهد له من حديث مروي أو عمل سابق في عهد الصحابة فيرد ذلك، وإن كان ما رواه مطابقا لما رواه غيره أو له شاهد من مرويات الآخرين ولم يتفرد به عن المشاهير فيصحح. بل من علماء الجرح والتعديل من يوثقه بناء على ذلك، أو يقويه، لكن معرفة عدالته متوقفة. ولا يعني من توثيق من وثقه أنه عدل، كلا، وإنما معناه فقط: أن ما رواه من الحديث صحيح، لا أكثر ولا أقل).
إلى أن قال: ( ... ... ... ومن جهة أخرى فإن علماء الجرح والتعديل - منهم البخاري ومسلم - قد يوثقون الرواة من التابعين ويصححون أحاديثهم مع أنهم لم يعرفوا إلا من جهة راو واحد، وقد أقر ذلك الإمام الدارقطني حين وضع كتابا تحت عنوان (الإلزامات). هذا لا يعني أن ذلك يكون مطلقا، وإنما يتوقف ذلك على جلالة الراوي الذي روى عنه الحديث، وإمامته، وطبيعة روايته عن الشيوخ عموما، وتحفظه في ذلك.
فالإمام الدارقطني قد وافق البخاري ومسلما في تصحيح أحاديث بعض الرواة التابعين، ممن لم يعرفوا إلا عن طريق أحد الأئمة الأجلاء، ثم أضاف إلى ذلك الدارقطني عددا آخر من التابعين قياسا على صنيع الشيخين، فعبر عن ذلك بالإلزام. وليس ذلك استدراكا على الشيخين بما فاتهما من الأحاديث، لكن بعض المتأخرين فهموا كذلك، فأجابوا بقولهم بأنه لا يلزمهما؛ إذ لم يشترطوا استيعاب الأحاديث الصحيحة.
وحسب القواعد التي درسناها في كتب المصطلح، والتصورات التي بنيناها حول مسائل علوم الحديث لا يصفو لنا كدر الإشكال في ذلك الصنيع المتمثل في توثيق بعض التابعين ممن لم يعرفوا إلا عن طريق راو واحد، ويكتنف حولها الغموض، بل نعدهم من المجاهيل، فإن الجهالة حسب تلك القواعد لا ترتفع إلا برواية أكثر من واحد، لكن الأمر ليس كذلك عند النقاد، قد يكون الراوي عندهم مجهولا على الرغم من رواية غير واحد عنه، وقد يكون معروفا بل يكون ثقة وصحيح الحديث مع كونه لم يرو عنه إلا واحد، إذن ليست المسألة متوقفة على العدد، والقياس، وإنما على نوعية الراوي الذي روى عنه. راجع كتاب شرح العلل لابن رجب الحنبلي.
وعليه يكون سبب الإشكال هو الخطأ في فهمنا لمصطلحاتهم وعدم استيعابنا لمنهجهم. فالإشكال الذي أثرته أخي محمد الأمين - حفظك الله - أرى من هذا القبيل).
¥