ويكون من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولاً إلى النبي أو إلى من انتهى به إلى دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت.

وقال الحميدي: فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، متصلاً غير مقطوع معروف الرجال. أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته وعرفه الذي حدثني عنه فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقاً مدركاً لمن روى ذلك عنه.

وقال الذهلي: لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصول غير المنقطع الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح. والأخبار في ذلك كثيرة، تجد كثيراً منها في كتب المصطلح. وإنما ذكرت شذراً يسيراً لأبين التحريف الذي يريده المذهبيون لعلم الحديث النبوي الشريف. فيريدون إحلال الحرام وتحريم الحلال برواية المجهول الذي لا يُعرف حاله. وبعيد أن تُقام الحُجة على الناس بخبر المجهول، فإن هذا ليس من حفظ الذكر الذي وعد به الرحمن {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. ولو شهد رجل شيئاً في أمور الدنيا لما قبلنا حديثه إلا بعد التحري عن صدقه وضبطه، فكيف والأمر دين؟! فمن طلب العدالة في أمور الدنيا وأخذ دينه عن مجاهيل، فقد رخص عنده دينه.

وأما الاستشهاد بكلام العلامة المعلمي فيما يوحي بأن ابن معين مشترك معهما في توثيق المجهول، فتدليس قبيح وغش للمسلمين. فإن المعلمي كان يتكلم عن اصطلاح خاص لابن معين في كلمة "ثقة" لا أنه يوثق المجاهيل. قال المعلمي: «فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيماً، ولو كان حديثاً واحداً لم يَروِه عن ذاك المجهول إلا واحد. قإن شئت فاجعل هذا رأياً لأولئك الأئمة كابن معين. وإن شئت فاجعله اصطلاحاً في كلمة "ثقة" كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة». وضرب أمثلة كثيرة ثم قال (1|69): «ابن معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة"، لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب».

ومعرفة الثقة من الضعيف تتم بإحدى ثلاث:

* معاصرة الراوي ومشاهدة أحواله واختبار حفظه وسؤال الناس عنه. وواضح أن هذا لا يصلح إلا مع الإدراك والمعاصرة.

* سبر حديثه ومقارنته مع أحاديث الثقات. وغالب أحكام الرواة مبنية على السبر، فإذا لم يكن للراوي إلا حديثاً واحداً تفرد به، فيبقى على الجهالة. والتي ليس لها إلا حديث واحد كيف يعرف قوة حفظها؟!

* الموازنة بين أقوال العلماء في الراوي. وهذا هو عمل المتأخرين كالذهبي وابن عبد البر وغيرهما.

أما زعم متأخري المالكية أن مالك يرى توثيق كل نساء موطأه فدعوى لا برهان لها. وهذا الإمام الشافعي -وهو أفقه من رَوى عن مالك- يجهّل امرأة أخرج مالك حديثها. وقد كُذِبَ على الإمام مالك في حياته، أما بعد موته فأكثر، حتى أن أهم مصادر الفقه المالكي في الأندلس كان يقول عنها محمد بن عبد الحكم: رأيت جلّها مكذوباً. وهذا الادعاء غير مختص بالمالكية، بل نجد الحنفية يجادلون في أن كل حديث عند أبي حنيفة فهو صحيح. فمقولة المالكي الغالي في حديث مالك، تقابلها مقولة الحنفي الغالي في حديث أبي حنيفة. وعلى هذا بنى التهناوي كتابه "إعلاء السنن" الذي أراد به تطويع علم الحديث وفقاً للفقه المذهبي كأنه يستحضر مقولة سلفه: كل حديث يعارضنا فهو ضعيف أو منسوخ. فأف لهذا الغلو في الأئمة الذي يكون على حساب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. كأن الواحد منهم لم يسمع حديث "من كذب علي متعمداً ... ".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015