نعرف من حال راو إلا أن يحيى تركه وأن عبد الرحمن كان يحث عنه، فمقتضى ذلك أنه صدوق يهم ويخطئ، فلا يسقط ولا يحتج بما ينفرد به».

أبو نعيم

أبو نُعَيم الفضل بن دُكين المُلائي (ت219هـ) وهو مع عفان بن مسلم الصفار من المتشددين في الجرح، فإذا وثقا رجلاً فحسبك به. قال ابن المديني (وهو متشدد!): «عفّان وأبو نعيم، لا أقبل قولهما في الرجال. لا يدَعون أحداً إلا وقعوا فيه». قال الذهبيّ في السير (10|250) «يعني أنه لا يختار قولهما في الجرح، لتشديدهما. فأما إذا وثَّقا أحداً، فناهيك به»، لكن ما وصلنا من أقوالهما إلا النادر. قال الذهبي في ميزان الاعتدال (5|426): الفضل بن دكين أبو نعيم: «حافظ حجة، إلا أنه يتشيع بلا غُلُوٍّ ولا سب». قال ابن الجنيد الختلي، سمعت ابن معين يقول: «كان أبو نعيم إذا ذكر إنساناً فقال "هو جيد"، وأثنى عليه، فهو شيعي». اهـ. قلت: فيجب الانتباه لتوثيق أبي نعيم.

ابن سعد

وقد طعن أئمة الحديث في عدالته، وفي أحكامه، أما في روايته فهو في مرتبة صدوق، ولم يخرج له أصحاب الكتب الستة. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله (أحمد بن حنبل): «أخبَرَني اليوم إنسانٌ بشيءٍ عجب! زعم أن فلاناً أمر بالكتاب عن سعد بن العوفي، وقال: "هو أوثق الناس في الحديث"». فاستعظم ذاك أبو عبد الله جداً، وقال: «لا إله إلا الله. سبحان الله! ذاك جهمي امتحن أول شيء –قبل أن يُخَوّفوا وقبل أن يكون ترهيب– فأجابهم». قلت لأبي عبد الله: «فهذا جهمي إذاً؟». فقال: «فأي شيء؟!». ثم قال أبو عبد الله: «لو لم يكن هذا أيضاً، لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعاً لذاك». اهـ. أي حتى لو لم يكن ابن سعد جهمياً مطعوناً في عدالته، لما جاز أن يكتب عنه، ولا كان مستحقاً لهذه الرتبة.

قال ابن حجر في "مقدمة الفتح" (ص618) في ترجمة محارب بن دثار (وهو أحد الأئمة الأثبات): «وقال ابن سعد" "لا يحتجون به". قلت: بل احتج به الأئمة كلهم، وقال أبو زرعة: "مأمون". ولكن ابن سعد يقلد الواقدي. والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق». كما أن أغلب مادته من الواقدي المتروك، كما ذكر ابن حجر في "مقدمة الفتح" عند ترجمة عبد الرحمن بن شريح. وقال المعلمي: «ليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله، في حد أن يُقبل منه تليين منه ثبّته غيره. على أنه في أكثر كلامه، إنما يتابع شيخه الواقدي. والواقدي تالف». ومع ذلك فأحكامه يغلب عليها الاعتدال. قال الذهبي –وهو من أهل الاستقراء– في "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (172): «تكلم محمد بن سعد الحافظ في كتاب "الطبقات" له بكلام جيد مقبول». أما الألباني فقال عنه (كما في سؤالات أبي الحسن): «فيه شيء من التساهل».

قال ابن الملقن في (المقنع) (2|668): «و "الطبقات الكبير" لابن سعد -كاتب الواقدي- حفيل كثير الفوائد. وهو ثقة، لكن أكثر الرواية فيه عن الضعفاء، منهم شيخه محمد بن عمر الواقدي، لا ينسبه». وقال المعلمي في "التنكيل" (ص255) وذكر تساهل ابن حبان: «والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد». وقال الدكتور زياد محمد منصور في مقدمة تحقيقه لتتمة المطبوع من "الطبقات" (ص77): «نجد أن الاعتدال يهيمن على غالبية أقواله، خاصة في التوثيق. أما الرواة الذين جرحهم ووافق فيهم بعض النقاد وخالف البعض الآخر، فقد كان حكمه عليهم أشد -نوعاً ما- من حكم أكثر النقاد. غير أنه خالف الجمهور في حكمه على عدد قليل من الرواة (أي تشدد فيهم)». وقال خلف سلامة: «ابن سعد قد أكثر من استعمال كلمة "ثقة" (أو كلمة "ثبت") بمعنى كلمة "عدل"». وأعطى عدة أمثلة.

فالصواب عندي قبول أقواله التي يوافق فيها غيره من النقاد، ورد ما يتفرد به. أما في الرواية فنقبل ما يسنده عن الثقات من الروايات التاريخية (ما لم تعارض أصح منها)، ونعتبر بما يرويه من الحديث.

ابن خزيمة

الملقب بإمام الأئمة لتقدمه في الرد على أهل البدع وفي الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التناقض. وكان فقيهاً ثقةً شافعياً سلفياً، لكن كان له منهج متساهل في التوثيق. فهو يوثق الكثير من مجاهيل التابعين، كما أنه يصحح أحاديث معلولة، كأنه يمشي على منهج المتأخرين. إلا أنه أقل تساهلاً من تلميذه ابن حبان.

الخطيب البغدادي

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015