قال ابن حجر موضحاً اختلاف أحكام ابن معين على الراوي: «ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنه ضعّفه. فإن ثبت ذلك فقد يكون سُئِلَ عنه وعمّن هو فوقه، فضعّفه بالنسبة إليه. وهذه قاعدة جليلة فيمن اختُلِفَ النقل عن ابن معين فيه». قلت: وكذلك كثيراً ما يكون السبب هو أنه وثقه في البداية لمجرد سماعه بضعة أحاديث منه (وهذا كثير عند ابن معين)، ثم يسمع أحاديث أخرى فيحكم عليه بالضعف. وإجمالاً فالقاعدة المتبعة هي أن نحاول أن نعرف كلامه كاملاً وإذا ما كان حكماً مطلقاً على الشخص، أم مقارنةً مع غيره. فإن لم نقع على ذلك، كان الجرح مقدّماً على التعديل. أو أننا نأخذ بالرأي الموافق للجمهور إن كان واضحاً. وقد قرر علماء المصطلح أنه إذا جاء في راو واحد قولان من إمام واحد، أُخِذَ بالقول الذي يوافق جمهور العلماء. ذكر ذلك ابن شاهين في كتابه "المختلف فيهم في عدة مواضع". وتعد رواية الدوري هي الأفضل (عند التعارض) من حيث أنه أكثر من لازمه من تلاميذه. و روايته هي من أواخر الروايات الواردة عن ابن معين، حيث أن الدوري هو من أواخر أصحاب ابن معين وفاة.
قال المعلمي في "الفوائد المجموعة" (ص47): «عادة ابن معين في الرواة الذين أدركهم أنه إذا أعجبته هيئة الشيخ، يسمع منه جملة من أحاديثه، فإذا رأى أحاديث مستقيمة، ظن أن ذلك شأنه فوثقه. وقد كانوا يتقونه ويخافونه. فقد يكون أحدهم ممن يخلط عمداً، ولكنه استقبل ابن معين بأحاديث مستقيمة، ولما بَعُدَ عنه خلط. فإذا وجدنا ممن أدركه ابن معين من الرواة من وثقه ابن معين وكذبه الأكثرون أو طعنوا فيه طعناً شديداً، فالظاهر أنه من هذا الضرب. فإنما يزيده توثيق ابن معين وهناً، لدلالته على أنه كان يتعمّد».
شعبة
قال ابن حجر في فتح الباري (12|217): «شُعبة لا يحمل عن شيوخه، إلا ما عرف أنهم سمعوه من شيوخهم». قلت: فكل ما يرويه شعبة عن المدلسين كقتادة وأبي إسحاق والأعمش وغيرهم محمولٌ على الاتصال. قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1|162): نا صالح بن أحمد: نا علي قال: سمعت يحيى يقول: «كل شيء يحدث به شعبة عن رجل، فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل إنه سمع فلاناً؛ قد كفاك أمرَه». وقد ذكر ابن حجر حديث «الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه»، ثم قال في فتح الباري (1|300): «وقد أعَلَّهُ قومٌ بسماك بن حرب راويه عن عِكْرِمة، لأنه كان يقبل التَّلقين. لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم».
وقد اشتهر شعبة بتشدده في النقد، ولا سيما عند المتأخرين: روى أبو زرعة في "الضعفاء" (ص618) عن ابن المبارك قال: «ما رأيت رجلاً أطعن في الرجال من شعبة». وقال الذهبي في "المغني في الضعفاء" (2|792): «شعبة متعنِّت». قلت: هكذا وصفوه كما كان غالب تصرفه. ولكنه حَدّث عن جابر الجُعْفي (كذاب)، ومحمد بن عبيد الله العَرْزَمي (مجمعٌ على ضعفه)، وإبراهيم الهَجَري، وزيد العَمّي وغيرهم من الضعفاء. فلعله أحسن الظن بهم. وليس شعبة –على علو قدره– بمعصوم. ولعل سبب وصفه بالتعنت هو تضعيفه لكثير من الرواة لمسائل خفيفة لا تعدو كونها من خوارم المروءة. قال المعلمي: «وكانوا كثيراً ما يبالغون في الاحتياط، حتى قيل لشعبة: لم تركتَ حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون؛ وقال جرير: رأيت سماك بن حرب يبول قائماً، فلم أكتب عنه؛ وقيل للحكم بن عتيبة: لِم لم تروِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام».
يحيى القطان وابن مهدي
قال الذهبي في الميزان (3|247): «يحيى بن سعيد القطان متعنِّتٌ جداً في الرجال». وقال الذهبي في سير الأعلام (9|183): «كان يحيى بن سعيد متعنّتاً في نقد الرجال. فإذا رأيتَهُ قد وثّق شيخاً، فاعتمد عليه. أما إذا لَيَّن أحَداً، فتأنّ في أمره، حتى ترى قول غيره فيه. فقد لَيَّن مثل: إسرائيل وهمّام وجماعة احتج بهم الشيخان». وقال الحافظ في مقدمة فتح الباري (ص424): «يحيى بن سعيد شديد التعنت في الرجال، لا سيما من كان من أقرانه». وقال ابن المديني (وهو تلميذهما): «إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجلٍ، لم أحدّث عنه. فإذا اختلفا، أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدهما. وكان في يحيى تشدد». وقال أحمد بن حنبل: «إذا حدّث عبد الرحمن بن مهدي عن رجلٍ فهو حجة». قال المعلمي في "الأنوار الكاشفة": «وعلى فرض أننا لم
¥