والتأمّل اليسير يدلّ صاحبه على أن مراد أبي داود يختلف عن مراد الدكتور من أول وهلة، فإن الدكتور يتكلم عن التفرّد وموقف الناقد حياله.

أما أبو داود فيتكلم عن الحديث الغريب، ومراده بالغرابة ليس التفرد فقط، وإنما التفرد بمتن غريب، فأبو داود يريد أنّه لم يدخل في كتابه حديثاً غريب المتن، ولو كان في إسناده مثل مالك ويحيى بن سعيد (1)، بل شرطه أن يكون الحديث مشهوراً من رواية الثقات.

يدلّك على هذا أنّه حكم بأن الحديث الذي وصفه بالغرابة لا يُحتج به، بينما كلام الدكتور يقول إنه قد يكون حجة وقد لا يكون حجة، بحسب القرائن.!!؟

ومما يبين هذا أكثر أنّ أبا داود أخرج في كتابه عدداً ليس بالقليل من الأحاديث الغريبة مما هو حجة عند الأئمّة وعنده هو بالذات (2)، وسكت على كثير منها مع تصريحه بأن ما سكت عنه هو صالح، وبعضها يبين التفرد فيها ولا يصرح بتعليله (3).

والغرابة يطلقها الأئمّة على المتن كما يطلقونها على الإسناد، يقصدون بذلك المتون التي لم يجر العمل بها أو التي تعارض المشهور مع أنها صحيحة الإسناد، كما قال الإمام أحمد: «شر الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها» (4)، وقال الحافظ ابن رجب في شرح العلل: «ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة:

وهي نوعان: ما هو شاذ الإسناد ... وما هو شاذ المتن: كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها.

فهذا هو مراد أبي داود بالحديث الغريب الذي نزه عنه كتابه، وهو المتن الغريب الذي جرى العمل بخلافه وينفرد به أحد الرواة، وبهذا يتضح أن كلام أبي داود لا علاقة له بفهم الدكتور لمسألة التفرد وموقف أبي داود منه، وإنما هو حكم خاص بنوع من الأفر اد الغريبة متنها التي لا يعرفها أهل العلم.أنتهى المقصود من كلام الدكتور

=================

1 - وذلك أن بعض أهل الحديث كان يغتر بالإسناد الذي فيه مالك وأمثاله من الأئمّة فيغفل عن كونه غريباً عنه أو أنه أسنده إليه راو ضعيف أو مختلط أو غير ذلك من العلل الخفية.

2 - مثل حديث الأعمال بالنيات، وهو فرد لم يروه إلا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن عمر (ح 2201)، وحديث النهي عن بيع الولاء، لم يروه إلا عبدالله بن دينار ح2919، وحديث دخول النّبيّ ? مكة على رأسه المغفر تفرد به مالك (ح 2685)، وحديث غارة النّبيّ ? على بني المصطلق، تفرد به عبدالله بن عون، وقال عنه أبوداود: هذا حديث نبيل رواه ابن عون عن نافع ولم يشركه فيه أحد، (ح 2633)، وغير هذا الذي ذكرناه موجود لمن تتبع.

3 - انظر مثلاً الأحاديث: (434) و (1564) و (1642) و (2259) و (2520) و (2537) و (3138).

4 - الكفاية، ص (141).

ـ[أبو عبدالرحمن الطائي]ــــــــ[12 - Jun-2007, صباحاً 01:16]ـ

بارك الله فيكم قد نبهت ونبه الشيخ محمد بن عبد الله على أن هذه الطريقة في تقرير المسائل ليست من المنهج العلمي في شيء وهو أن ندرس كل نص على حده فإذا وقعنا على نص يوهم عدم الإعلال بالتفرد ذكرناه ولم نعرضه على باقي النصوص فإذا أجيب عنه بحثنا على نص آخر وهكذا

وفيكم بارك الله ونفع ..

ما يمنعنا أن نقول ما قلتم؟ فهو ـ والله ـ ما يدور في روعنا، فإنكم تأتون على أحاديث أعلت بسبب حدم احتمال تفرد أصحابها، فتجعلونها أصلاً في الباب، ومن يحتج بإن الأصل في حديث المتفرد الإعلال يأتي لنا بآحاد الأمثلة الموافقة لمنهجه في تعليل الأحاديث الأفراد والغرائب.

لذا جامع الأمر أيها الأحبة في الله:

أن "المتأخرين! " من الحفاظ والأئمة كالمزي والذهبي وابن حجر والسخاوي وغيرهم كثير، قد استقرؤوا كلام "المتقدمين! " فجمعوا كلامهم في تقعيدات وأصول هي خلاصة مصطلح الحديث الذي بأيدينا.

فهم استقرؤوا، ثم جاء "المعاصرون!! " فرأوا أن استقراء "المتأخرين! " لم يكن على صواب، وأن الصواب في كلامهم هم؛ أعني "المعاصرين! "

فباستقراء من نأخذ؟؟

ستقولون: نأخذ بالدليل.

نقول: أي دليل؟ الذي نأتي به نحن من تصحيح الأئمة المتقدمين للأحاديث الأفراد الصحيحة والغرائب؟ أم تقولون أن هذه إنما صحت لقرائن!؟

فهنا العجب .. أن القاعدة بيننا وبينكم معكوسة!! أنتم تقولون الأصل في حديث المتفرد الإعلال، والتصحيح لحديثه إنما تم لقرينة "صارفة!! " عن الإعلال.

ونحن نقول: بل الذي جرى عليه أهل العلم المتقدمين والمتأخرين أن الأصل في حديث الثقة الصحة تفرد أم توبع، والإعلال يحتاج إلى قرينة تخرجه عن هذا الأصل.

وهكذا ....

فيا أيها الأحبة هذه هي عقدة الخلاف: أننا نقول بصحة استقراء "المتأخرين! "، وأنتم تقولون بصحة استقراء "المعاصرين! "، فالله المستعان.

ـ[أبو عبدالرحمن الطائي]ــــــــ[12 - Jun-2007, صباحاً 01:28]ـ

وإليكم هذا النص العزيز من كلام الإمام الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، وهو ممن نحتج بكلامه في هذا المسألة من "المتأخرين! "

قال ـ رحمه الله ـ في "مجالس في تفسير قوله تعالى: لقد منَّ الله على المؤمنين .. ":

" والأفراد في الحديث على أقسام ترجع إلى قسمين: / مطلق، ومقيد، فمن أقسامه: تفرُّد أهل بلدةٍ بحديث أو سنة، وهذا قد صنف فيه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحي "السنن" مصنفاً وتعرض في سننه إلى أحاديث من هذا الضرب، كأن يقال: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو هذه سنة تفرد بها أهل البصرة.

ومن الأفراد: زيادات الثقات، وهو ما ينفرد بالزيادة ثقة عن غيره.

منها: ما ليس له إلا إسناد واحد، وقد صنف فيه أبو الحسن الدارقطني مصنفاً حافلاً وجعل له أبو عبد الله محمد بن طاهر المقدسي أطرافاً، و"معجم الطبراني الأوسط" في الأفراد. ويدخل فيها الشاذ، والمنكر، والغريب، فإن انفرد به ثقة متقن غير مخالف لغيره فهذا فهذا حديثه الذي انفرد به صحيح أو حسن يحتجُّ به، ومنه أفراد الصحاح، ويُسمّى غرائب الصحاح، كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرّد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد استفاض ممن دون عبد الله بن دينار إلينا ". اهـ (ص: 208 ـ 209).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015