وظاهرٌ في هذا أن قوله: " صلِّ " إنما هو لبيان إباحة الصلاة بعد النهي عنها، ولذا عقبه بغاية انتهاء الإباحة، فقال: " حتى يستقل الظل بالرمح "، قال الشراح: أي: يكون ظله قليلاً، وهذا إذا قامت الشمس، وتناهى قصر الظل، فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه بعد امتناعه عن الصلاة بعد الصبح حتى ارتفاع الشمس= فله أن يصلي حتى تقوم الشمس، والصلاة مشهودة محضورة، ولفظ أبي داود في الحديث: " ثم صل ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله "، وهذا أوضح في أن الفضل المذكور إنما هو للصلاة سائر وقت الضحى، لا في أوله فقط، كما أن الصلاة مشهودة محضورة حال حضور الفيء إلى صلاة العصر، فليس في الصلاة بعد ارتفاع الشمس مزية بشهود الصلاة وحضورها تختص بها عن الوقت الآخر -في هذا الحديث عينه-.

وورد في غيرِ حديثٍ ما يفيد أن المراد بهذا النص: إباحة الصلاة بعد حظرها، لا استحباب صلاة معينة ابتداء.

ولا خلاف في أن الصلاة مشروعة بعد خروج وقت النهي -وهو ما يفيده حديث عمرو بن عبسة-، وإنما الخلاف في إثبات سنة معينة في ذلك الوقت المعين.

وقد قدمتُ أنني ما رأيت أحدًا فهم من هذا الحديث استحباب صلاة الشروق! قال القرطبي -في المفهم (2/ 461، 462) -: (وقوله: " أخبرني عن الصلاة " سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- فَهِم عنه ذلك، فأجابه به، ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان يكون جوابه مطابقًا للسؤال).

والحديث ساقه مسلم وجماعة كُثُر ممن أخرجه في مساق ذكر أوقات النهي، ولم يفهم منهم أحد منه استحباب صلاة معيّنة بعد ارتفاع الشمس.

فإن تقرر هذا فتعلم أن ما يلي من احاديث هي:

1 - حديث أبي امامة رضي الله عنه من ثلاث طرق (القاسم ومكحول وأبي غابر).

رحم الله بياني، فكأنه ما كان!

أخي الكريم، أنت تستشهد للطريق بعلتها، يعني: تستشهد للخطأ بما يُثبت أنه خطأ!

والصواب في اسم الثالث: عبدالله بن غابر.

4 - حديث عائشة رضي الله عنها من طريق الطيب بن سلمان (ولا أدري لماذا عدلت عن هذا وذكرت الطريق المنكرة).

جيد أنك استدركته علي، ولم أعدل عنه لقصد، وإنما هو فوات، فجزاك الله خيرًا.

وفيه علتان:

الأولى: ضعف الطيب بن سلمان، ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الطبراني. والدارقطني أقوى من الاثنين وأعرف في النقد بلا خلاف، وتساهل ابن حبان في ذكر الرجال في ثقاته معلوم مشهور، والطبراني ليس بذاك الناقد العارف في أحوال الرواة، ولا يقارن بالدارقطني، لا ينكر هذا إلا مكابر.

وقد ذكر ابن أبي حاتم هذا الراوي في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً.

الثانية: تفرد هذا الضعيف -نصَّ عليه الطبراني-، وتفرد الضعيف "مردود بلا خلاف" -كما ذكرتَ-.

والراوي عن الطيب بن سلمان هو شيبان بن فروخ، ولم أجد له متابعًا، وشيبان اختُلف فيه، وقال ابن حجر -في التقريب (2834) -: " صدوق يهم، ورمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطر الناس إليه أخيرًا ".

والطيب بن سلمان يرويه عن عمرة، وقد نصَّ الطبراني على أنها: " عمرة بنت أرطأة، وهي العدوية، بصرية، وليست بعمرة بنت عبدالرحمن "، بل نصَّ الطيب بن سلمان نفسه على أنها العدوية -في روايةٍ له في الدعاء للطبراني (2161) -. وعمرة هذه هي بنت قيس بن أرطأة -استظهر هذا ابن حجر في إتحاف المهرة (17/ 774) -، وقد ترجمها ابن سعد -في الطبقات (8/ 490) -، فذكر أنها دخلت على عائشة وسألتها وسمعت منها وروت عنها، وأخرج لها ابن خزيمة في صحيحه -كما في إتحاف المهرة-، ومثل هذه يمشَّى حديثها ما لم تأتِ بمنكر.

وإن كان الحافظ عبدان؛ عبدالله بن أحمد بن موسى الجواليقي قال فيها: عمرة الطاحيّة -كما في المحدث الفاصل (ص338) -.

إضافة إلى أن الفضل المذكور في هذا الحديث ليس فيه الحجة والعمرة، وإنما جاء بفضل جديد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015