وهذا الحديث ضعّفه الألباني -رحمه الله-، وأنكر منه الفضل الوارد فيه، قال -في الضعيفة (11/ 74، 75) -: (وهذا إسناد ضعيف؛ الطيب هذا؛ قال الدارقطني: "بصري ضعيف". وأورده ابن أبي حاتم (2/ 1/ 497)؛ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، ووثقه ابن حبان والطبراني! وتساهل ابن حبان في التوثيق معروف، وكأن الطبراني جرى في ذلك على سَنَنه! ولعله لذلك أشار المنذري في "الترغيب" (1/ 166) إلى تضعيف حديثه هذا.
والمعروف في أحاديث الجلوس بعد الصلاة الغداة والصلاة بعد طلوع الشمس: أن له أجر حجة وعمرة، فقوله: "خرج من ذنوبه ... " إلخ؛ منكر عندي، والله أعلم) ا. هـ كلام الألباني -رحمه الله-.
ومما يؤيد نكارة الحديث عن عائشة: أنه صحَّ عنها -بإسناد جليل- أنها كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى -ويأتي ذكر هذا الأثر-، ولم يُذكر عنها أنها تصلي إذا ارتفعت الشمس، أو نحو ذلك، ولو صحَّ عنها روايةُ هذا الفضل للجلوس في المصلّى ثم الصلاة؛ ما كانت لتتركه، ولا يُظنّ بها التفريط بمثل هذا.
والناظر إلى هذا الإسناد الفرد في كل طبقاته، المتكلَّم في بعض رواته= يخطر على باله قول الذهبي -في الموقظة (ص77، 78) -: " وقد يسمي جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثلُ هشيم وحفص بن غياث منكرًا، فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة؛ أطلقوا النكارةَ على ما انفرد به مثلُ عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر. فإن روى أحاديث من الأفراد المنكرة؛ غمزوه وليَّنوا حديثَه، وتوقفوا في توثيقه، فإن رجع عنها وامتنع من روايتها، وجوَّز على نفسه الوهم؛ فهو خير له، وأرجح لعدالته ... ".
5 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابي يعلى وابن حبان وهو من طريق أَبُي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حدثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ صَخْرٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: بَعَثَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم بَعْثًا فَأَعْظَمُوا الْغَنِيمَةَ وَأَسْرَعُوا الْكَرَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا رَأَيْنَا بَعْثًا قَطُّ أَسْرَعَ مِنْهُ كَرَّةً، وَلاَ أَعْظَمَ مِنْهُ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ: " أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَسْرَعِ كَرَّةٍ وَأَعْظَمِ غَنِيمَةٍ مِنْهُ؟ رَجُلٌ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ تَجَمَّلَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ صَلاَةَ الْغَدَاةِ، ثُمَّ عَقَبَهُ بِصَلاَةِ الضَّحْوَةِ، فَقَدْ أَسْرَعَ الْكَرَّةَ، وَأَعْظَمَ الْغَنِيمَةَ ". وهو حديث حسن لذاته.
هذا الحديث منكر،
أخرجه ابن عدي في ترجمة حميد بن صخر -في الكامل (2/ 275) -، وابن عدي يخرج في ترجمة الراوي ما يدلّ على ضعفه مما يُنكر عليه، ثم صرّح بإعلال رواياته عن المقبري، فقال: (ولحاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر أحاديث غير ما ذكرته، وفي بعض هذه الأحاديث عن المقبري ويزيد الرقاشي ما لا يتابع عليه).
وحميد بن صخر هو حميد بن زياد أبي صخر، وإنما أخطأ في اسمه حاتم بن إسماعيل، وأيًّا من كان، فابن عدي اختار هذا الحديث من روايات حاتم بن إسماعيل عن حميد= لإثبات أحقية حميد بالذكر في كتاب الضعفاء، فدل على نكارته.
ووجه نكارته: أن المقبري حافظ مشهور، حديثه يرويه عنه الكبار الثقات الأئمة، فمن أين يقع هذا الراوي على هذا الحديث وينفرد به عن أولئك، فلا يرويه إلا هو، وهو ممن اختلف فيه الأئمة، ولم يوثقه جميعهم.
فكل هذه الشواهد لا تصلح عندك لإثبات هذه السنة السنية الثابتة؟!!
نعم، ولي سلف -بفضل الله-: ابن حبان، نصَّ على وقوفه على روايات للحديث من غير طريق ولم يقوِّ بعضها ببعض. ولا أظنك تقول بأن ابن حبان لا يرى التقوية بالشواهد مطلقًا!
ومما يزيد هذه الأحاديث وهنًا: أنه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يجلس بعد الغداة في المسجد، وظاهر النقل أنه لم يكن يذكر الله -تعالى-، ثم إنه كان يقوم إذا طلعت الشمس، ولم يُنقل أنه يصلي ركعتين -وهو محل اهتمام من الصحابة لو كان يفعله؛ لتثبت بذلك السنة-:
حيث أخرج مسلم (670، 2322) من طريق سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: (نعم، كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاّه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتَبَسَّم -صلى الله عليه وسلم-).
وتأمل في قول جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: (كثيرًا)، ووصفه لحال النبي -صلى الله عليه وسلم- من القيام إذا طلعت الشمس، دون أن يذكر أنه يصلي شيئًا.
وقال ابن أبي شيبة في مصنفه (25451): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، أن عائشة كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى.
والله أعلم.
* هنا بحثٌ فيه جمعٌ لأحاديث أخرى في الباب:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=109766
¥