أ- أن قوله: (في حالة ثبوته) عبارة سياسية مطاطة؛ ليحفظ على نفسه خط الرجعة عندما يصادم بهذه النقول عن الحشود من أهل العلم الذين صححوا الحديث وثبتوه وتلقوه بالقبول!!

ب- أن المناورة السياسية لا تصلح للقضايا العلمية؛ فالعلم فضاح، «ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زورٌ، ومن ادعى ما ليس فيه كشفته شواهد الامتحان».

ت: قوله: «لا يعد أصلاً من أصول الدين».

أولاً: هذه دعوى عريضة ليس لها حد يميّز الأصل مِن الفرع، وما الفرق بينهما؟!.

ثانياً: أن الحديث ورد ناهياً محذراً عن اتباع سنن اليهود والنصارى في الاختلاف والافتراق ... ألا يعد ذلك أصلاً من أصول الدين؟! ... أليس جمع الكلمة وتوحيد الأمة من مقاصد بعث الله-تبارك وتعالى- المرسلين، والله يقول: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}، وقوله: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}، ويقول -جل وعلا-: {ولا تكونوا من المشركين من الذي فرقوا -وفي قراءة: فارقوا- دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون}.

ثالثاً: إن هذا الحديث يتكلم عن منهج الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، والجماعة المحفوظة التي لا يضرها من كذبها، ولا من خالفها، ولا من خذلها، ولا من ناوأها، وهي أهل السنة والجماعة وأتباع السلف الصالح -بإجماع علماء الإسلام-؛ أليست مسألة المنهج هذه إذن من أصول الدين؟ ‍

رابعاً: يشير بقوله هذا إلى بدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب، وهي باطلة وعاطلة؛ كما بسطت ذلك في كتابي «دلائل الصواب في إبطال تقسيم الدين إلى قشر ولباب».

3 - قوله: «ولم يحاول أحد من العلماء المعتبرين تحديد هذه الفرق ... ».

والجواب عليه من وجهين:

أ- أن كثيراً من العلماء الذين صنفوا في الفرق والملل والنحل؛ كالشهرستاني، والبغدادي، والأشعري، وابن حزم؛ حدَّدُوا هذه الفرق أصولاً وفروعاً ومذاهب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (12/ 346): «وأما تعيين الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في المقالات ... ».

ب- أن العلماء حددوا أصول الفرق.

وأقدم من تكلم في تعيين الفرق الضالة وتقسيمها يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك؛ كما نص على ذلك شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (3/ 350)، فقد ذهبا إلى أن أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة.

روى ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (1/ 377) عن يوسف بن أسباط؛ قال: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، ثم تشعبت كل فرقة ثماني عشرة طائفة فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون: الجماعة، التي قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إنها الناجية».

وروى -أيضًا- في الكتاب نفسه (1/ 379) عن ابن المبارك أنه سئل: على كم افترقت هذه الأمة؟

فقال الأصل أربع فرق: هم الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة، فاقترفت الشيعة على اثنتين وعشرين فرقة، وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة، وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة، فقال السائل: لم أسمعك تذكر الجهمية؟ ‍‍! قال: إنما سألتني عن فرق المسلمين».

وقد ذهب إلى هذا التقسيم البربهاري في «شرح السنة» (ص 46)، والطرطوشي في «البدع والحوادث» (ص 97).

وذهب ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص 25) إلى أن أصول فرق أهل البدع ستة، وهي: الحرورية، والقدرية، والجهمية، والمرجئة، والرافضة، والجبرية، وقد انقسمت كل فرقة منها إلى اثنتي عشرة فرقة؛ فصارت اثنتين وسبعين فرقة».

وكذلك يميل الشاطبي في «الاعتصام» (2/ 206) إلى تقسيم أصول الفرق إلى سبعة: المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والبخارية، والجبرية، والمشبهة»

وانتصر لهذا القول السفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (1/ 92).

والذي يهمني تقريره في هذه المسألة –ثمّةَ-:

1 - أن العلماء متفقون على وجود فرق الأمة التي أخبر عنها رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وهذا تصحيح صريح لحديث الافتراق.

2 - أن اختلافهم في تعيين أصول فرق البدع ليس لاختلافهم في ثبوت الحديث، وإنما لاختلافهم في بعض هذه الفرق هل هي من الإسلام أم لا؟ كاختلافهم في الجهمية، فتدبر هذا المقام، ولا تكن ممن ضلت به الأفهام.

4 - قوله: «فضلاً عن كون الحديث جاء أساساً في سياق التحذير من الاختلافات».

والجواب عليه من وجهين:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015