و أنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من
جهة السند، و إنما من قبل استشكال معناه، و أرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد.
قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء و المشايخ " (ص 414):
" حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها. (ثم ذكر حديث معاوية هذا، و حديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي و حسنه الترمذي ثم قال: (و الإشكال في قوله: " كلها في النار إلا ملة "، فمن المعلوم أنهم خير الأمم، وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، و قال: هي زيادة غير ثابتة. و بعضهم تأول الكلام. قال: ومن المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة. إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها. و إذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة.
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته:
" إن الناس عامة و خاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء و العبيد و الفلاحين و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.
و أما الخاصة، فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه، و بلغ في تقويتها كل مبلغ، و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه و التعصب، و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم يتحمله، و لكنه إمامهم المقدم و هؤلاء هم المبتدعة حقا، و هو شيء كبير (تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا)، كنفي حكمة الله تعالى، ونفي إقداره المكلف، و ككونه يكلف ما لا يطاق، و يفعل سائر القبائح و لا تقبح منه، و أخواتهن! و منها ما هو دون ذلك، و حقائقها جميعها عند الله
تعالى، و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة.
و من الناس من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، و لكنه عند نفسه راجع إلى الحق، و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، و لعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه. و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، وتخبط في تصرفاته، و حسابه على الله سبحانه، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم و الله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، و ذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، و قد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه. و الله المستعان.
و من الناس من ليس من أهل التحقيق، و لا هيئ للهجوم على الحقائق، و قد تدرب في كلام الناس، و عرف أوائل الأبحاث، و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه و لكن أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل. و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. و هؤلاء هم الأكثرون عددا، و الأرذلون قدرا، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، و لا أدركوا سلامة العامة. فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا.
و الثاني ظاهره الابتداع.
و الثالث له حكم الابتداع.
و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، و قليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة و ساروا بسيرها، و سكتوا عما سكتا عنه،و أقدموا و أحجموا بهما وتركوا تكلف مالا يعنيهم، و كان تهمهم السلامة، و حياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، و فهم معانيه على السليقة العربية و التفسيرات المروية، و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما.
¥