قلت: و هو على كل حال خير من الأبرد بن أشرس فإنه روى هذا الحديث أيضا عن يحيى بن سعيد به، فإنه قلب متنه، و جعله بلفظ:
" تفترق أمتي على سبعين أو إحدى و سبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: الزنادقة و هم القدرية ".
أورده العقيلي أيضا و قال:
" ليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد " و قال الذهبي في " الميزان ":
" أبرد بن أشرس قال ابن خزيمة: كذاب و ضاع ".
قلت: و قد حاول بعض ذوي الأهواء من المعاصرين تمشية حال هذا الحديث بهذا اللفظ الباطل، و تضعيف هذا الحديث الصحيح، و قد بينت وضع ذاك في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " رقم (1035)، و الغرض الآن إتمام الكلام على هذا اللفظ الصحيح، فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه، و لذلك تتابع العلماء خلفا عن سلف
على الاحتجاج به حتى قال الحاكم في أول كتابه " المستدرك ": " إنه حديث كبير في الأصول " و لا أعلم أحدا قد طعن فيه، إلا بعض من لا يعتد بتفرده و شذوذه، أمثال الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطعه و تحامله على الطريق الأولى لهذا الحديث، التي ليس فيها الزيادة المتقدمة: " كلها في النار "، جاهلا بل متجاهلا حديث معاوية و أنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت. و ليته لم يقتصر على ذلك إذن لما التفتنا إليه كثيرا، و لكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل، ألاو هو العلامة ابن الوزير اليمني، و ذكر أنه قال في كتابه: " العواصم و القواصم " ما نصه:
" إياك أن تغتر بزيادة " كلها في النار إلا واحدة " فإنها زيادة فاسدة، و لا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة. و قد قال ابن حزم: إن هذا الحديث لا يصح ".
وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات. ثم أوقفني بعض الطلاب في " الجامعة الإسلامية " على قول الشوكاني في تفسيره " فتح القدير " (2/ 56):
" قال ابن كثير في تفسيره: و حديث افتراق الأمم إلى بضع و سبعين، مروي من طرق عديدة، قد ذكرناها في موضع آخر. انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة " فقد ضعفها جماعة من المحدثين (!)، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة ".
و لا أدري من الذين أشار إليهم بقوله: " جماعة ... " فإني لا أعلم أحدا من المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة، بل إن الجماعة قد صححوها و قد سبق ذكر أسمائهم، و أما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك، و أول ما يتبادر للذهن أنه في كتابه " الفصل في الملل و النحل " و قد رجعت إليه، و قلبت مظانه فلم أعثر عليه،ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: " لا يصح "، و الشوكاني قال عنه: " إنها موضوعة "، و شتان بين النقلين كما لا يخفى، فإن صح ذلك عن ابن حزم، فهو مردود من وجهين:
الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها.
و الآخر: أن الذين صححوها أكثر و أعلم بالحديث من ابن حزم، لاسيما و هو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة فكيف إذا خالف؟!
و أما ابن الوزير، فكلامه الذي نقله الكوثري يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من جهة إسنادها، بل من حيث معناها، و ما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى لإمكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه. و كيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة و العلماء من مختلف الطبقات بالقبول و صرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلا!
و إن مما يؤيد ما ذكرته أمرين:
الأول: أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا، ألا و هو كتابه القيم: " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلا خاصا في الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة و ردوا أحاديثهم، و منهم معاوية رضي الله عنه، فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيه الشيعة، فكان هذا الحديث منها!
الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير، ألا و هو الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته و معناه، و قد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير.
¥