مسكين والله من كان هذا حظه من الفهم لحقيقة المذهب الفقهي والمذهبية وهو في أول طلبه لذاك العلم الجليل! تمهل يا طالب العلم ولا تعجل، استوعب الأقوال وافقه الخلاف وتأنّ، وتواضع لمن سبقوك بالعلم والإيمان، خذ عنهم عدتهم وآلتهم، ثم اذهب بعدئذ تقول إن مذهب هؤلاء في تلك المسألة باطل، والحديث الوارد فيها حجة عليهم، كما خالفهم بذلك أولئكم!
وأقول لصاحب تلك العقلية التي تقتل طالب العلم من قبل أن يشرع في الطلب: إن كنتَ عاميا حديث العهد بالطلب، فواجبك التقليد فيما لم يستقم لك فيه أساس للنظر والترجيح .. فمن تقلد؟ تقلد شيخك فيما يذهب إليه، لا محيص لك من ذلك! فمن يقلد شيخُك هذا في جملة ما يفتي به من الأقوال، وعلى أي الأصول الفقهية والقواعد يجري في اجتهاده ونظره وترجيحه؟
بل تراك يا من هكذا حاله، تستفتي شيخا في مسألة وآخر في غيرها، فتجمع إلى نفسك مذاهب شتى في مسائل متفرقة لا تدري على أي مذهب من مذاهب الأئمة خرجت هذه وعلى أي القواعد جرت تلك، ما علمتَ إلا أن شيخك الذي تقلده أفتى بهذا القول مستندا إلى حديث ساقه وصححه في فتواه، وكأن شيخك هذا من بعدما شابت رأسه في طلب العلم لم يزد على أن سمع هذا الحديث فأفتى به رأسا، كما فهمته أنت!! فهذا – وأيم الله - أدنى في منزلة التقليد من سابقه عند التأمل، ويا ليتك كنت مقلدا للإمام أحمد أو مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة، تحفظ متنا من متون المذهب وأنت لا تدري أصوله، خير لك وأكرم ألف مرة من هذا الذي أنت عليه، يا من تقول (أنا أتبع الدليل)!!
واعلم أنه مهما زاد علم الطالب وفقهه وصار من المحققين المجتهدين فسيفضي به اجتهاده الحر – لا محالة – إلى موافقة أصول مذهب من المذاهب المتبوعة (مشهورة كانت أو مغمورة) أو الجمع بين بعضها، ومن ثم موافقة مذهب من المذاهب في بعض اختياراته وموافقة غيره فيما سواها، ولن يأتي مثله قط – إن كان من أهل التحقيق جهابذة هذا الشأن - بأصل جديد أو قاعدة جديدة لم يسبقه إليها أحد، ولن يتبع – في الجملة - غير سبيل المؤمنين من القرون الأولى! ولو شذ فسترد عليه زلته تلك لزوما، وسيكون لزاما على مقلديه، من عرف منهم شذوذه فيها، ألا يتابعوه عليها، ولا يكاد يخلو من ذلك أحد من المجتهدين! فالقصد أن الأئمة الذين بلغوا الاجتهاد المطلق، كانت عامة أصولهم =على المذاهب التي دانوا الله بصحتها، وتلقوها عمن سبقوهم، ولا نقول إنهم تحرروا منها جملة بعدما صاروا مجتهدين!! وإنما اجتهدوا في تلك الأصول لا في اختراع الجديد ولكن في تحقيق نسبتها إلى السلف الأول، ففصلوا فيها وجمعوا إليها من غيرها من المذاهب ما ترجح عندهم أنه أصوب وأقوم، ونظروا فيما كان سلفهم يفتون به على اختلاف أحوالهم وعند تغير تلك الأحوال، فعمدوا إلى أقربها إلى الحق، يحققون أصول النظر عند السلف الأول، مقتربين بذلك إلى صنيع الأئمة الأربعة أنفسهم، رحمة الله عليهم، يأخذون جميعا من مشكاة واحدة! وهذه المنزلة من الاجتهاد (الاجتهاد المطلق) لستُ أرى إمكان وجودها في هذا الزمان، ولا يدعيها أحد لنفسه إلا فضحته أقواله وتحقيقاته!
وأما الذي يقول إن مذهبي أني أقلد فلانا لا أعدو قوله أبدا (ولا أحد يقول هكذا في الحقيقة، وإن كان هذا لسان حاله)، فهذا مذموم في الشرع والعقل والعرف، لأنه ما من إنسان من دون المعصوم عليه السلام إلا ويؤخذ من قوله ويرد. وطالب العلم واجبه رفع عارض الجهل عن نفسه مهما استطاع إلى ذلك سبيلا، واتباع الحجة الأظهر والدليل الأقوى كلما ظهر له، أيا ما كان مصدره! فإن جاءه ذاك الدليل بخلاف مذهبه القديم فإنه يجب عليه المصير إلى الحق وترك ما كان عليه، سواء كان ذلك في مسألة من الفروع أو في كلية من كليات أصول النظر والاستدلال في المذهب الذي هو عليه. وإنما يقلد المقلدون من طلبة العلم الأئمة في أول الطلب لتعذر استيفاء النظر والاستقلال به للوصول إلى الترجيح في جميع مسائل الشريعة جملة واحدة (حتى مع تحقق القوة القريبة من الفعل لديهم)، مع شدة الداعي لوجود من يفتي الناس في تلك المسائل، يسعفهم بها في عاجل أمرهم. فإن بقي هذا على تقليده لمتن حفظه مع قدرته على استيفاء النظر والمقارنة بين الأقوال فإنه تلحقه المذمة قطعا. ولكنه لا تلحق مذمته تلك بعين المذهب الذي التزم تقليد الماتن فيه، ولا يصح أن يُنهى عن مطلق التمذهب حذرا من أن يصير طلاب العلم إلى مثل هذا المفرِّط!! فإنه ما من عالم من أكابر أهل العلم إلا وتجده يحفظ أكثر من متن من المتون على مذهب من المذاهب، يفتي منها الناس إلا فيما خالف فيه باجتهاده اختيارات الماتن، لرجحان مذهب آخر عنده في ذلك، فإنه يفتي فيه بما يترجح لديه. ولهذا قال القائل إن من حفظ المتون حاز الفنون! ليس لأنه يدعو العلماء وطلبة العلم إلى التقليد، ولكن لأن الحاجة تدعو في كثير من الأحيان إلى استحضار مذهب يغلب على ظن طالب العلم أنه – بالجملة – أقرب إلى الصواب من غيره من المذاهب الفقهية (في عموم أصوله والأقوال المتفرعة عليها)، فيعمل به كمرجح عند عجزه عن استفراغ الوسع للاستقلال بالنظر في أعيان المسائل. غير أنه إذا وجد الماء بطل التيمم، فإذا ما تيسرت للطالب درجة من درجات الاجتهاد بشروطها وأدواتها، بطل ما دونها من درجات الاجتهاد في حقه، وحرم عليه البقاء على ما هو عليه من مراتب التقليد، والأمر في ذلك يطول ..
فالقصد أن من ينهى طلبة العلم عن التمذهب ويأمرهم (باتباع الدليل، هكذا)، هذا ينبغي أن يتأمل كثيرا قبل أن يضرب في أصول العلم ضرب العشواء، يطلق أقوالا في الحداثة يندم عليها أشد الندم في قابل أيامه، كما وقع لكثير من طلاب العلم، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
¥