وقف عليه وحققه فتوصل بما معه من الأدلة إلى إهماله! " هذا هو المذموم، وهذا من يُتبرأ من طريقته في (التمذهب)، لا مطلق (المتمذهبين)! فيا لخيبة وجهالة من يقول "أنا "سلفي" فلا أتمذهب" (بهذا الإطلاق)! وهل السلفي – في اللغة والاصطلاح – إلا هذا الذي يتمذهب بما كان عليه سلف الأمة، لأنه يدين الله بأن هؤلاء كانوا أقرب إلى إصابة الحق ومراد رب العالمين من نصوص الوحي منه، وأنه لا سبيل إلى فهم تلك النصوص على وجهها إلا من طريقهم؟ وهل كان شيخك أيها السلفي، وشيخ مشايخ مشايخك، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذاك الحبر المجتهد المطلق، إلا إماما من أئمة الحنابلة، يوافقهم في مجمل أصولهم؟ وهل تنفي عنه رحمه الله نسبة (الحنبلية)؟ فمن أين جئت أنت بأصولك في الترجيح والنظر والتأمل في الأدلة والمفاضلة بينها؟؟ هل اخترعتها على غير مثال سابق، أم أنك ذهبت فيها إلى ما سبقك إليه بعض الأئمة؟
تقول (إن صح الحديث فهو مذهبي)، فعلى أي فهم صار هذا الحديث مذهبك يا أخانا، وعلى أي فهم خرجت بوجه الدلالة منه أصلا، وكيف وبأي أصول النظر جمعت بينه وبين غيره مما في البابة من نصوص وأدلة؟ أم تحسب أن الشافعي رحمه الله وغيره لما صدرت منهم تلك الكلمة، كانوا يقصدون أن الواحد منهم لو ثبتت عنده صحة الحديث في بابة من الأبواب فإنه يرمي بكل ما سواه مما عنده عرض الحائط ولا يُعمل إلا ذلك الحديث وحده في المسألة أيا كانت؟؟ هذا تصور من لا يدري ما المذهب ولا ما الفقه أصلا!
إنما المراد أن الحديث إن صح في البابة فإنه حجة تدفع ما دونها من الأدلة في مراتب الاستدلال في تلك البابة عند ظهور التعارض وتعذر الجمع! فما هي تلك المراتب وعلى أي فهم تنتظم وما وسيلة هذا الإمام وغيره لاستخراج الفهم من الحديث، بما يدخله أصلا في هذه البابة أو تلك، ويندفع به ما دونه من الأدلة في ذات الأمر؟ أليس يلزمك أيها الداعي إلى الصدع بهذا الشعار أن تستكمل تلك الأدوات من مظانها أولا كما استكملها أمثال الشافعي رحمه الله ورضي عنه، وحتى تحقق تلك القاعدة – إذا ما أعملتها – على وجهها المستقيم؟ يؤتى بعضهم بنصوص من كتب فقهاء المذاهب فتراه يتمعر وجهه ولعله يأنف من النظر فيها ويشمئز لأنه لم يجد في وسطها حديثا صحيحا قد سمعه في المسألة (وما سمعه إلا من شيخه الذي يقلده)، وهو يقلد شيخه حتى في تصحيح ذلك الحديث والحكم عليه، فتراه يقول لمن يأتيه بكلام الفقهاء في حال كهذه: "أقول لك قال رسول الله، والحديث صححه فلان وفلان، وأنت تقول لي قال فلان وفلان من المصنفين في المذاهب كذا وكذا؟؟ "
فنقول صحيح إن أحدا من الخلق لا يقدَّم كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يماري في هذا مسلم! ولكن – وما أكبرها من (لكن)! – من أين لك بفهم كلام رسول الله، وأنت لم تعاصره ولم تسمع هذا الأمر أو النهي من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم؟؟ تراه يستدل بما كان عليه الصحابة من نسخ مذاهب بعضهم واجتهاداتهم فيما بينهم بكلام النبي عليه السلام! فنقول له وهل أنت الآن في زمانهم، يأتيك عن أحدهم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، فتضرب بما سوى ذلك من الكلام عرض الحائط وتقدم كلام النبي عليه السلام على ظنك واجتهاد نفسك واجتهاد غيرك؟؟؟ أنت أعجمي يفصلك عن زمان التنزيل أربعة عشر قرنا من الاجتهادات والتحقيقات في مرادات النصوص ومقاصدها وأوجه التنزيل ومناطاتها، وفي الناسخ والمنسوخ والراجح والمرجوح وفي مراتب الأدلة والقرائن التي ينتهي بها الفقيه إلى الحكم بأن هذا ما استقر عليه أمر المسلمين من فهم لحكم الشرع في هذه البابة وفي تلك .. فعلى أي أرض تقف وبأي سماء تستظل يا عبد الله وأنت تضرب بهذا كله عرض الحائط ثم تقول، هكذا بكل سهولة: أنا متبع للدليل لا مذهب لي، وإن صح الحديث فهو مذهبي؟؟ أجب عن أدلتهم إذن، واثبت أن هذا الحديث الذي بين يديك حجة على اختيارهم وأنهم أخطأوا إذ أخروه وهو حقه التقديم، أو ذهبوا إلى نسخه مع أن حكمه باق، أو خصصوه بغير مخصص معتبر مع أن حكمه عام، أو قيدوه بقيد لا يصح – بالدليل – أن يقيد به، إلى آخر تصرفات أهل الفقه والفهم في أدلة المسائل!!
¥