ـ[أبو الفداء]ــــــــ[16 - Oct-2010, صباحاً 07:09]ـ
الحمد لله وحده
أما بعد، فإنه مما عمت به البلوى في هذا الزمان، وصار شائعا مبثوثا بين كثير من طلبة العلم في مختلف البلدان، التبرؤ من المذهب والمذهبية هكذا جملة واحدة! يقال للحدث المبتدئ في الطلب ما مذهبك، فتراه يقشعر جلده ويتمعر وجهه ويقول في أنفة ظاهرة: أنا لست متمذهبا، أنا أتبع الدليل!!! فإذا ما حوجج قال: وهل كان الصحابة يتمذهبون؟ وهل كان فيهم الشافعي والمالكي والحنفي .. الخ؟ فهو إذن بدعة على خلاف ما كان عليه السلف الأول، لا أرتضيها وأحذر طلبة العلم من الوقوع فيها!
فنقول لصاحبنا هذا: أولا، اعلم يا عبد الله أن التمذهب لفظة مجملة ينبغي فيها التفصيل والتحرير.
فإن المذهب قد يطلق على مسألة من الفروع (يقال مذهب فلان فيها كذا) وقد يطلق على طريقة في الاستدلال والموازنة بين الأدلة، وقد يطلق على نحلة عقدية في مسألة يسوغ فيها الخلاف أو في أخرى مما يمتاز به أهل السنة عن أهل البدعة. وقد يكون الرجل متمذهبا على تقليد محض، يأخذ قول هذا في هذه وقول ذاك في تلك، دونما دراية بأصول الاستدلال والترجيح عند من يفتيه، وقد يكون متمذهبا على طريقة من طرق الاستدلال (وهو ما يُصطلح عليه بالمذهب الفقهي) تقليدا لإمامه، وقد يتخذه لنفسه مذهبا وطريقة في النظر اجتهادا منه في ذلك، حيث ظهر له باجتهاده بعدما خبر خلاف الفقهاء وطرائق الأئمة وأصولهم في التعامل مع الأدلة تقديما وتأخيرا، إعمالا وإهمالا، جمعا وترجيحا، أن طريقة الإمام فلان هي الأقوم والأقرب إلى الصواب في ذلك، وهي الأقرب إلى ما كان عليه الصحابة في فقههم وعملهم. فلا يمكن لعاقل يعي ما يقول أن يجمع هؤلاء جميعا في سلة واحدة يسميها بسلة (التمذهب) ثم يذهب يطلق الحكم العام على هذا (التمذهب) هل هو بدعة أو مباح أو غير ذلك، أو يطلق القول كصاحبنا هذا يقول: لا أتمذهب!!
لا يصح أن نقول لرجل (إنه متبع للدليل) تمييزا عمن يقال له (إنه متمذهب)!! فأما الأول فإن كان على الجادة فهو على مذهب من مذاهب السابقين في استدلاله وطريقة نظره لا محالة، وأما الثاني فإنه يحسب أنه يتبع الدليل وأن طريقة إمام مذهبه هي المحققة للدليل، وإن أخطأه بها! وإلا فهذا المتبع للدليل ما فهمه له وعلى أي القواعد أقام ذاك الفهم وخلص منه إلى الاستدلال والحكم، ومن أين جاء بها؟ إن كانت قواعد جديدة من عنده لم يسبقه إليها أحد، فهو إذن من أهل الشذوذ والانحراف، وقوله يرده عليه أهل الفن كما يرد أئمة كل صنعة عبث الدخلاء عليها والمفسدين فيها! وإن كان مسبوقا إليها فهو على مذهب من سبقه إليها – لا محالة - وإن جهله! فإن تلك الأصول المعمول بها في المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، إنما هي جماع ما ورثه الأئمة عن الصحابة والتابعين من طرائق في النظر والاستدلال، فلا يكاد يخرج عنها مفتي يدري ما يقول! وإنما نُسبت تلك المذاهب إلى فلان وفلان من الأئمة لا لأنهم اخترعوها ولكن لأنهم أول من جمعها عن السلف الأول والصحابة وحررها في أصول منطوقة وقواعد مدونة كأصول كلية تفرع عليها الفروع وتُخرَّج عليها المسائل. فكان أن اختلفوا فيها كما اختلف الصحابة والسلف الأول، فكانوا فيها على جملة من المذاهب توارثتها الأمة وتتابع عليها الفقهاء والعلماء. فمن أين جاء الصحابة بتلك القواعد ابتداء؟ لم يخترعوها من عند أنفسهم، وإنما فهموها من عمومات الكتاب والسنة، واستقرأوها من مفردات المسائل والأحكام. والأئمة إذ يجتهدون في جمع تلك الأصول والقواعد، يستدلون لها بما استدل به الصحابة والتابعون ويحرصون على ألا يجاوزوا ذلك.
فالبناء المذهبي الذي ورثته الأمة في الحقيقة بناء محكم وليس - في إطلاقه - ضربا من التقليد الأعمى كما يتوهم الكثير من ضعاف النظر حدثاء الأسنان! وإنما يذم (المتعصب) لا (المتمذهب)!! المتعصب هو الموسوم بالتقليد الأعمى المذموم، الذي هو اتباع مذهب إنسان – أي إنسان – والبقاء عليه من بعد ما تبين للمقلد أن الدليل – أيا كان نوع الدليل الذي استظهره ذاك المقلد – على خلافه! يصر على تقليد إمامه، يقول – دونما تكلف عناء النظر، أو إصرارا على مذهبه من بعد ما تبين له خطؤه: "بل أنتم المخطئون، ما هكذا يفهم النص، ويقينا إن إمامي قد
¥