ومثلها تلك العقائد الشرقية العقيمة التيتجاهلت مطالب الجسد وجعلت الانسان راهبا لا صلة له بمتطلبات عقله أو حاجات جسده حتي رأينا عند بعض النصاري من يتقرب الي ربه بنجاسة الجسد وعدم الاغتسال عقدين أوثلاثة وعدم نكاح طبقة القساوسة والرهبان وتعذيب الجسد عند الهندوس الي حد المشي علي الزجاج والنوم علي النار وغير ذلك من الديانات والعقائد الباطلة.
محل الغايةالانسان طوال سيره في الحياة ليس له سوي وسيلتين روح وجسد فلا يستطيع الانسان أن يحيي جسدا بلا روح الا بتدمير نفسه وإهلاكها بالشهوات والاهواء ولا يستطيع كذلك أن يحيي بروحه وحدها فإن لجسده مطالب ولجوارحه حاجات ولكن حكمة الله تعالي اقتضت أن يجعل من العقل حكما يزن العلاقة بين الجسد والروح قانونين لتحقيق سنة الابتلاء والامتحان في الأرض.
القانون الاول التناقض بين الطبع والتكليف فمتطلبات الجسد مناقضة لمتطلبات الروح الروح تدعو الي الايمان والعملوالجسد يدعو الي الدعة والراحة فالعلاقة عكسية بين حاجات النفس وحاجات الروح.
القانون الثاني أن الانسان محتاج الي تلبية حاجة الجسد وتلبية نداء الروح وهنا يقوم النزاع بين المصلحتين مصلحة الجسد ومصلحة الروح بين المادة والمعني العاجل والاجل الدنيا والاخرة فالروح ذات مطالب علوية فمن غلبها صار علويا سماويا والجسد مطالبه سفلية فمن غلبه صار سفليا ارضيا طينيا لهذا كان واجب الانسان أن يتزود لجسده بقدرما يحفظه ويبقيه ولا يزيد علي ذلك حتي لا ينتقص من حظ الروح فاذا أخذ الجسد هذا القدر كان عونا للروح علي زادها وإن زاد عنه خربها وصرفها الي تحقيق شهواته ونزواته والعقل هو الميزان الذي يزن الامور بينهما حتي لا تنحرف الروح او يطغي الجسد
وغاية الانسان فكرة في عقله يظهر أثرها روحا تسري في فؤاده واستقامة تصبغ جوارحه فالعقل بمثابة لسان هذا الميزان فكلما كانت غايته سليمة كلما كان أثرها في الروح والجسد كبيرا.والعقل حين يقوم بهذه الوظيفة ينطلق من غاية الانسان التي بها يقيس الحقائق ويبني التصورات في النفس والكون والحياة ويظهر دورهذا الميزان العقلي في وظائف ثلاث
الوظيفة الاولي إدراك المصدر ما الانسان؟ ذالك الكائن المركب البالغ التعقيد الذي يحمل بين جنبيه طاقات هائلة وقدرات متنوعة ولماذا وجد علي هذه الارض؟ وما هذا الكون الفسيح بحار وانهار وفيافي وأشجار كائنات لاحصر لاعدادها ومخلوقاتلا وصف ابلغ من النظر اليها فاذا اطلق بصره الي عنان السماء وجد بناءا محكما ودونهكونا فسيحا شهب وكواكب ونجوم ومجرات كل يؤدي دوره في تناسق عجيب لايزيغ لحظة ولاينحرف قيد انملة فمن اين أتي هذا الوجود؟ وماحكمة خلقه علي هذا النسق العجيب الفريد؟
والوظيفة الثانية إدراك المصير ومن الغاية أيضا إدراك مصير هذا الخلق وما لهذا الصنع هل هو البناء والعمار ام الخراب والدمار وما مصير الانسان العاقل الوحيدبين هذه المخلوقات لماذا يموت لماذا لا يخلد في هذه الحياة واين يذهب بعد الموت؟
والوظيفة الثالثة ادراك الطريق يعيش الانسان في هذه الحياة مدة محدودة لا تتجاوز في عمر الكون شيئا ومعرفة الغايتين السابقتين تحددان له حقيقة الحياة التي يحياها وطبيعة الطريق الذي يسير فيه.
والعقل حينما يدرك هذه الحقائق الثلاث ادراكا تاما يسير في طريقه علي بصيرة فلا يقلقه تعدد الافكار ولا يحيره تنوع المناهج يمضي في ثبات عند كل خطوة يخطوها لانه يعرف الرسالة التي يحمل والغاية التي يريد.
وسائل الادراكذكرنا أن الانسان يتكون من عناصر ثلاثة عقل وجسد وروح
فالعقل محله الدماغ وغذاؤه العلم والمقصود بالعلم هنا هو كل ما يتلقاه الانسان وفق مبادئ العقل الثلاث مبدأ السببية ومبدأ النتيجة ومبدأ عدم التناقض وكل مبدأ من هذه المبادئ الثلاث له مدرك من المدركات التي ينبغي ان يصوب نظره اليها ويعمقه فيها ليحصل حقيقة العلم وكل علم بعيد عن هذاالثلاثة أو بعضها هو علم منحرف بقدر بعده عنها فاهم وظيفة لاعمال مبدأ السببية هي ادراك المصدر وذلك بالنظر في الايات الكونية وأهم وظيفة لادراك النتيجة هي ادراك المصير وذلك بالنظر في الايات التكوينية وأهم وظيفة لادراك عدم التناقض هي ادراك الطريق وذلك بالنظر في الايات التكليفية.
وحتي يدرك الانسان هذه الغاية جعل الله سبحانه وتعالي له وسائل خمس لادراك كل ما يحوطه في هذا الكون وهي السمع والبصر والشم والذوق والوحواس الجلدية وقد حثنا الله تعالي علي استعمال هذه الحواس وتوظيفها في معرفة الغايةالتي خلق الانسان من اجلها
قال تعالي (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وقال تعالي (قلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَوَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)
يتبع في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالي
¥