ويكفي للدلالة على فضل الحفظ أن أوائل حملة هذا الدين من المحدثين كانوا يوصفون بالحفاظ، وجاء بعدهم بل وكان في عصرهم علماء أجلاء في مختلف الفنون وكانوا حفاظا لعلومهم، رغم أنهم لم يعرفوا المختصرات ولا شروحها ولا حواشيها. فالعلم والحفظ لا يفترقان ولا يمكن لأحد أن يفرق بينهما كما أن العلم والفهم لا يفترقان، فإن هذه أمور متفق عليها لا نزاع فيها. وقد رأيت كلاما لابن الجوزي مُهمّا في هذا الباب أَبَيت إلا نقله، قال رحمه الله: «ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همه مصروفا للحفظ والإعادة، فلو صحّ صرف الزمان إلى ذلك كان أولى؛ غير أن البدن مطية وإجهاد السير مظنة الانقطاع، ولما كانت القوى تكل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لا بد منه، مع أن المهم الحفظ وجب تقسيم الزمان على الأمرين فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل ويوزع الباقي بين عمل النسخ والمطالعة وبين راحة البدن وأخذ لحظه، ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثر الغبن وبان أثره، وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخف عليها، فليحذر الراكب من إهمال الناقة ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق، ومع العدل والإنصاف يأتي كل مراد، ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه .. » (7). هذا كلام ابن الجوزي في الحفظ وهو الذي يضرب به المثل في كثرة التصنيف، بل اسمع إليه يتكلم عن عدد الكتب التي طالعها وهو بعد في الطلب أي قبل تصدّره، قال رحمه الله: «ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب، فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعبادتهم وغرائب علومهم ما لم يعرفه من لم يطالع» (8).
وإذا قلنا الحفظ مهم فلا بدّ للطالب أن يحفظ من العلوم ما ينفعه وأن يشتغل بالأهم فالأهم، ولا أهم من كتاب الله تعالى وسنة النبي r ، ثم بعد ذلك مبادئ العلوم -من توحيد وفقه ونحو وأصول - التي أخذها عن شيوخه أومن الكتب التي درسها، كان المأمون يوصي بعض بنيه فيقول: «اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وحدّث بأحسن ما تحفظ» (9).
الفصل الرابع: مفهوم العلم والملكة العلمية
ومما ينبغي النصح به والإرشاد إليه اجتناب الكتب المعقدة في لفظها والخالية من الاستدلال في مادتها، التي ألفت في عصور الانحطاط والجمود، وإن من الآثار السيئة الناجمة عن اعتماد تلك الكتب في التعليم نسيان مقصد العلوم جميعها وهو فقه الكتاب والسنة، وتضييع ملكة الفهم للنصوص الشرعية.
قال الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى:» وإنما ننبه في هذا المقام إلى أسوأ أثر لهذه الطريقة الشائعة اليوم هو القضاء على الملكة العلمية لأنها شغلت المعلم والمتعلم معا بالكتاب عن العلم، إذ أصبح همهما كله مصروفا إلى تحليل الكتاب وفك عباراته والقيام على اصطلاحاته الخاصة، وفي ذلك بعض ما يستغرق الوقت، ولا يبقى سعة لإدراك قواعد العلم وتطبيق جزئياته على كلياته، وبعيدا جدا على من يدرس علما على هذه الطريقة أن تستحكم ملكته فيه، وكيف تستحكم ملكة الفقه مثلا لمن يقرأه من مثل مختصر خليل على هذه الطريقة فيمضي وقته في تحليل عباراته وتراكيبه المعقّدة، وربط المعمولات بالعوامل البعيدة، وإرجاع الضمائر المختلفة إلى مرجعها، والطفرة بالذهن من مذكور ومقدّر. هذا كل ما يَشغل وقت المعلم والمتعلم، وهم في الحقيقة لا يدرسون علم الفقه وإنما يدرسون كتابا في الفقه «(10).
فعلى الطالب في تحصيله للمبادئ -وبعده- أن يدرس الكتب الميسرة في لفظها، التي قصد أصحابها الإفهام وتقريب العلم لطالبه، لا الكتب الموجزة المختصرة الملغزة، التي ربما كتبها مؤلفها تذكرة لنفسه (11).
قال ابن خلدون:» ثم بعد ذلك كله فالملكة الحاصلة من التعليم من تلك المختصرات إذا تمّ على سداده ولم يعقبه آفة؛ فهي ملكة قاصرة عن الملكة التي تحصل عن الموضوعات البسيطة المطولة، لكثرة ما يقع في ذلك من التكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التامة… فتصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوها صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكّنها، ومن يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له «(12).
¥