وقد أصبح الناس أو أكثرهم يظنون أن العلم أو ملكة العلم هي مجرد الحفظ والاستحضار للتعاريف والأحكام وغيرها من المسائل المدونة، لا فَهْمُ القواعد وأدلتها مع حسن تطبيقها على جزئياتها، قال العلامة ابن باديس موضحا معنى الملكة وما ينبغي أن يؤخذ من الشيوخ: «فهم قواعد العلم وتطبيقها تحصل ملكة استعمالها، هذا المقصود من الدرس على الشيوخ، فأما توسيع دائرة الفهم والاطلاع، فإنما يتوصل إليها الطالب بنفسه بمطالعته للكتب ومزاولته للتقرير والتحرير» (13).

وقال حاجي خليفة: «اعلم أن من كانت عنايته بالحفظ أكثر من عنايته بتحصيل الملكة لا يحصل على طائل من ملكة التصرف في العلم، ولذلك ترى من حصّل الحفظ لا يحسن شيئا من العلم، ونجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر، ومن ظن أنها المقصود من الملكة العلمية فقد أخطأ، وإنما المقصود هو ملكة الاستخراج والاستنباط وسرعة الانتقال من الدوال إلى المدلولات، ومن اللازم إلى الملزوم وبالعكس، فإن انضم إليها ملكة الاستحضار فنِعْمَ المطلوب، وهذا لا يتم بمجرّد الحفظ بل الحفظ من أسباب الاستحضار ... » (14).

يقول البشير الإبراهيمي:» ... إن الأصولي الحقيقي هو الذي ينفق مما عنده أو يقرأ من أي كتاب كان ولا يفتتن بكتاب معين هذا الافتتان ... ، وفي وقتنا هذا نسمع علماء المعاهد المشهورة يتمدحون بمثل هذا ويصفون من يحسن إقراء التنقيح على هذه الطريقة بالأصولي المحقق «(15). ويقول ابن باديس رحمه الله تعالى:» الكتب التي تدرس فيها -المعاهد- هي الكتب القديمة المعقدة التي لا يتوصل الطالب إلى ما فيها من المعاني إلا بقطع طريق وعر شائك من الألفاظ، والمدرسون مضطرون أن يعلموا على مقتضى أسلوبهم العقيم، وإذن لا تكون لها نتيجة إلا بتبديل الكتب وتبديل الأساليب وانتقاء المدرسين وعدم التقيد بالمتخرجين منها- أي المعاهد «(16).

الفصل الخامس: الموازنة بين العلوم المقاصد والعلوم الآلية

المقصود بهذه الموازنة هو النظر في الوقت الذي يخصص لكل علم من العلوم، ومقدار التوغل في دقائقه، فإن كثيرا من الطلبة ممن لا موجّه له يتوغل في علم فيحصل من أصوله وفضوله دون تمييز، ويفني في ذلك حظا كبيرا من عمره على حساب علوم أخرى ربما كانت أولى بالعناية والتحصيل.

وربما تجد بعضهم يقضي السنوات الطوال بين اللغة والأصول، أو اللغة والحديث، ولم يعط لعلم التوحيد حظا ولا للفقه نصيبا، فهذا أيضا من المحذور الذي ينبغي التنبه له في طريق الطلب. قال العلامة ابن خلدون: «وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالها فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة ذلك الغير فقط، فلا يُوسّع فيها الكلام ولا تفرع فيها المسائل، لأن ذلك يخرج بها عن المقصود ... وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها، مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يعني.

وهذا كما فعله المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق لا بل وأصول الفقه لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا وأكثروا التفاريع والمسائل بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها مقصودة لذاتها، وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة إليها في العلوم المقصودة بالذات، فتكون لأجل ذلك من نوع اللغو وهي مضرة بالمتعلمين على الإطلاق لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بهذه الآلات والوسائل فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد» (18).

وفي هذه الفقرة تأكيد لما ذكرناه في قضية المتون المطولة، ونُصرة لفكرة تصفية العلوم من الأمور الدخيلة عليها والمسائل التي خالف فيها المتأخرون مذاهب المتقدمين سواء من حيث العرض أو الترجيح والله أعلم.

وبقي من كلامه نصيحة للمعلمين لا يحسن إخفاؤها حيث قال: «فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها ولا يستكثروا من مسائلها، وينبهوا المتعلم إلى الغرض منها ويقفوا بها عنده»، فليتأمل هذا تأملا طويلا، وقد جعل حاجي خليفة كلام ابن خلدون، هذا في شرائط التحصيل فأحسن (18)، ومن لم يتنبه إلى هذا فهو محروم فكم من طالب ذهب يحصل علم النحو باعتباره وسيلة للعلم الشرعي وبعد زمن يكل ويمل، وإن استمر فإنه يستمر في دراسة علوم اللسان متخصصا فيها.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «ثم ينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز والعلم غزير، وإن أقواما يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنا لكن الأولى تقديم الأهم والأفضل، وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما بعد هذا بمنزلة التابع» ([1]) (19).

والمقصود من كلامه واضح وموافق عليه إلا الحصر المذكور فإن علم التوحيد مقصد بل وعلم السلوك والأخلاق مقصد أيضا ولا تقل أهميتها عن الفقه والله تعالى أعلم.

وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر: «وقد ثبت بالدليل شرف العلم وفضله إلا أن طلاب العلم افترقوا فكل تدعوه نفسه إلى شيء فمنهم من أذهب عمره في القراءات وذلك تفريط في العلم لأنه ينبغي أن يعتمد على المشهور منها لا الشاذ ... ومنهم من يتشاغل بالنحو وعلله فحسب ومنهم من يتشاغل باللغة فحسب ومنهم من يكتب الحديث ويكثر ولا ينظر في فهم ما كتب، وقد رأينا في مشايخنا من كان يسأل في الصلاة فلا يدري ما يقول وكذلك القراء وكذلك أهل اللغة والنحو» ([2]) (20).

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

منقولة عن مشاركة للأخ أبي عبد الله سمير زمّال التبسي الجزائري

طور بواسطة نورين ميديا © 2015