يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الفتاوى: "استجهال السابقين الأوَّلين واستبلاههم، واعتقاد أنَّهم كانوا قومًا أُميِّين لم يتبحَّروا في الحقائق مِن علم الله، ولم يتفطَّنوا لدقائق العِلم الإلهي، وأنَّ الخَلَف الفضلاء حازوا قَصَبَ السَّبْق في هذا كلِّه، هذا القول إذا تدبَّره الإنسان وجدَه في غاية الجَهَالة، بل في غاية الضلالة".

3 - القول بتاريخية النصوص:

يَزعُم هؤلاء أنَّ النصوص الشرعية تختصُّ بأولئك الذين عاشوا زمنَ التنزيل، أمَا وقد تغيَّرتِ الأحوال اليوم، فلم تَعُدْ تلك النصوص موجَّهةً للناس اليوم، ولم يعودوا متعبَّدين بما ورد فيها، يقول محمد أحمد خلف الله: موقف القرآن الكريم من المرأة كان مَوْقفًا في عصْر مُعيَّن، ووضعتْ تلك القواعد لعصر معيَّن، ومِن الممكن جدًّا أنَّ مثل هذه الأشياء قد لا يَسمح العصر الذي نعيش فيه بتطبيقها، ويقول أركون: فيكون الشخص إذًا في حِلٍّ مِن الفروض التي فُرِضت سابقًا؛ لأجْل أوضاعه الجديدة.

3 - إعادة قراءة وفَهْم النص، والقول بالحقيقة النسبية:

فليس هناك حقٌّ مطلَق عند هؤلاء القوم، كما يقول محمد أركون: إنَّ القول: أنَّ هناك حقيقةً إسلامية مثالية وجوهرية، مستمرَّة على مدار التاريخ وحتى اليوم، ليستْ إلا وهمًا أسطوريًّا، لا علاقة له بالحقيقة والواقع، فتعدُّد الحقائق يُعبَّر عنه بالفِكْر النسبي.

فالقوم إذًا - ومعهم الحداثيُّون - ينادون بهذا الأمر، ويقولون بالتعددية الفِكريَّة، وقَبول الآخر، وهم بهذا يَفْتحون البابَ للزنادقة، ولكلِّ صاحب ضلالة أو شذوذ فكري، يقول أحدهم: لن تكون متقدِّمًا أو صاحب أَمَل في التقدُّم إذا قَبِلتَ الرأي على أنَّه حقيقة.

يقول شيخ الإسلام في هذا المذهب: "أوَّله سفسطة، وآخِرُه زندقة".

* النتائج الخطيرة لهذه المنهجية المنحرفة:

1 - نزْع الثِّقة في الدِّين، وخَلْخَلة القناعة بالنصوص الشرعية؛ إذ ليست حقًّا قطعيًّا - كما يدَّعي هؤلاء - كذلك فَهْم سلف الأمة وعلمائِها ليس مُلزِمًا أيضًا، بل لكلِّ أحد أن يفهم النصوص كما يشاء، وتُصبح النصوصُ على طريقة هؤلاء ألفاظًا مجرَّدةً، ليس لها معانٍ محدَّدة يرجع إليها، فأفْقَدوا النصوص بقولهم هذا صِفةَ المرجعيَّة، وصِفةَ القطعية.

وحينذاك يقرأ الناس النصوص، ولكنَّهم لا ينتفعون منها بشيء؛ كما جاء في الحديث عن زياد بن لبيد، قال: ذَكَر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - شيئًا، فقال: ((وذلك عندَ أوان ذَهابِ العِلم))، قلت: يا رسولَ الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونُقْرِئه أبناءَنا، ويُقرِئه أبناؤنا أبناءَهم إلى يوم القيامة؟! قال: ((ثَكِلَتْك أمُّك يا زياد، إن كنت لأراك مِن أفقه رجل بالمدينة، أو لَيس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراةَ والإنجيل لا ينتفعون ممَّا فيهما بشيء؟!)).

وقد أطلق هؤلاء الضُلاَّلُ على منهجيتهم هذه مصطلح "الرسالة الثانية للإسلام"، أو "الوجه الثاني لرسالة الإسلام"، بل عَنْوَن أحدُهم - محمود محمد طه - كتابه الذي ذكر فيه فَهْمه الجديد للدِّين بعنوان: "الرسالة الثانية في الإسلام"، والرسالة الأولى عندَهم هي ما كان عليه سَلَفُ الأمَّة ومَن تبعهم إلى زماننا هذا.

يقول نصر حامد أبو زيد: إنَّ الفَهْم الجديد للدِّين الذي تُنتجه هذه القراءةُ هو فَهْمٌ قد ينتهي من حيث المبدأ إلى مخالفة كلِّ ما هو سائدٌ للفهم، سواء تعلَّق الأمر بالمرتكزات العقائدية، أو بالشرائع، أو بالأخلاق.

الصلاةُ عند هؤلاء ليستْ واجبةً، بل هي مسألةٌ شخصية، وإنما كانت مؤقَّتة بظروف معيَّنة، فلمَّا زالتْ تلك الظروف زالتِ الحاجة لها، يقول عبدالهادي عبدالرحمن: وفُرِضت أصلاً - يعني: الصلاة - لتليين عَريكة العربي، وتعويده على الطَّاعة للقائد .... وهكذا القول عندَهم في سائر أرْكان الدِّين، وشرائعه وأحكامه.

ومن عجيب ما صدر عن هؤلاء:

• جمال البنا يقول بجواز التقبيل بين الجِنسَيْن؛ لأنَّه تدعو إليه الحاجة كنَوْع من التنفيس.

• ويقول أيضًا: ليس في القرآن والسُّنَّة أمْرٌ بالحجاب.

• ويقول: الاختلاط ضروريٌّ، ومِن الطبيعة والفِطرة؛ لأنَّ الفصل بين الجِنسَيْن عملية وحشية.

إلى غير ذلك من الانحرافات التي تُصادِم النصوص الشرعيَّة بدعْوى القراءة الجديدة للنص.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015