ويقول آخر: الخنزير كان محرَّمًا؛ لأنه كان يتناول القاذورات، فلمَّا صاروا يُطعمونه في مزارع أوربا أطعمةً نظيفة، فهو حلال اليوم!!
ومَن تتبع مقالاتِهم وجَد أنَّهم يُعلنون الانقلاب على كلِّ الثوابت الواردة في النصوص، بحُجَّة إعادة فَهْم النصوص من جديد.
* أسباب نشوء هذه المنهجية المنحرفة:
1 - مسايرةُ الواقع، والتأثُّر بضغوط الأعداء، حيث إنَّ كلَّ الذين يتبنَّون هذه المنهجية الخبيثة هم من أفراخ الغَرْب، الذين رضعوا منه، ويُريدون أن يُظهروا للناس أنَّ لديهم رؤية مختلفة للإسلام، وهم في حقيقة الأمر واقعون تحتَ تأثير الغَرْب، يُسيِّرهم كيفما شاء.
2 - التأثُّر بالمدارس الغربية والدِّراسة في الغرب، يُضاف إلى ذلك الجَهْل بالشريعة، واتباع الهوى والتنازلات، كلُّ هذه العوامل أفرزتْ هذه المنهجية المنحرِفة، التي عمل أصحابها من خلالها على تحريف النصوص؛ اقتداءً بأسلافهم اليهود، الذين قال الله فيهم: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75].
وكذلك مَن جاء بعدَ اليهود مِن ضُلاَّل الطوائف والفِرق، من الخوارج والمعتزلة، والفِرق الباطنية، وبعض الصوفية ممَّن دخلوا من باب التأويل لهَدْم الإسلام، وحمَّلوا النصوصَ من المعاني ما لا تحتمل.
يقول بِشرٌ المَرِّيسيُّ: ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر، ثم اصْرفوه في الباطن.
فظهرت أقوالٌ لهؤلاء غاية في الغَرَابة والانحراف مِن ذلك:
• القرامطة الباطنية: فسَّروا الصيامَ بكَتْم الأسرار، والحجَّ بالسفر إلى شيخهم، والجَنَّةَ بالتمتُّع بالملذات في الدنيا، ونحوه.
• المعتزلة: قالوا في قوله – تعالى -: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]: كلَّمه؛ أي: جَرَحه بمخالب الحِكمة.
• الصوفية: سُئِل بعضهم عن الحُجَّة في الرقص، فقال: قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1].
• الرافضة: قالوا في قوله – تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] قالوا: عائشة.
إلى آخر تلك المقالات.
* أُسس ومرتكزات هذه المنهجية المنحرِفة:
1 - القول بالظنِّيَّة المطلقة لدلالة النصِّ الشرعي:
فلا قطعيَّ عندهم في النصوص مطلقًا، وإذا كانتْ دلالة النصوص غيرَ قطعية، فالفَهْم غير مُلزِم، وظاهر النصوص غير مُلزِم، يقول محمد أركون: القرآن نصٌّ مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لأيِّ تفسير أو تأويل أن يُغلقَه، أو يستنفذه بشكل نهائي، بل ويدعو هذا الرجل إلى أنَّ مِن حقِّ كلِّ فرد أن يفهم القرآن، ويُفسِّره بحسب حاجاته وأحواله، فيقول: إنَّ القراءة التي أحلم بها هي قراءة حُرَّة إلى درجة التشرُّد والتسكُّع في كلِّ الاتجاهات، إنها قراءة ٌتجد فيها كلُّ ذات بشرية نفسها.
وهؤلاء القوم يرفعون شعار: "النص مقدَّس، والتأويل حرّ"، وحينئذٍ يسقط فَهْم السلف، وأقوال الصحابة؛ إذ لا حاجةَ لها أمام ما يُريده هؤلاء من فتْح الباب للخَوْض في النصوص ومدلولاتها لكلِّ أحد بحسب حاجاته وأحواله.
أحدُهم يُفسِّر قوله – تعالى -: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]، فيقول: النفْس الواحدة: البروتون، وزوجها: الإلكترون!! إلى غير ذلك من العَبَث بالنصوص، مما ينبني عليه فسادٌ لا نهايةَ له، بل وهَدْم لأركان الدِّين وأصوله، حيث يصبح من حقِّ كل أحد أن يُعيدَ تفسير العبادات - الصلاة والصيام والزكاة والحج - ونحو ذلك وَفقَ هواه.
2 - هذه المنهجية مبنية على إهدار فَهْم العلماء للنصوص الشرعية:
فالقوم لا يُريدون علماء، ولا فَهْمَ عُلماء، ويقولون: الإسلام ليس حِكرًا على أحد، فأسقطوا العلماء، وفَهْمَ العلماء، الذي يتعارض مع أهوائهم ونزواتهم، يقول الترابي: كلُّ التراث الفكري الذي خَلَّفه السلف الصالح هو تراثٌ لا يُلتزم به، وإنَّما يُسْتأنس به.
¥