لكن قوله من غير روية ملكة نفسانية تصدر عنها الأفعال الاختيارية من غير روية قلت أن هذا محل تأمل فما تمكنت أن أبحث عن مصطلح روية في مصطلحات المتقدمين فالروية هنا بمعني العجلة وهذا محل نظر أما إذا كان المراد بالروية عدم التكلف والتمشي مع السجية فهذا ظاهر أما إذا كان تعجل فأستبعده جداً ليس عندي وقت كان ينبغي أن أراجع المراد بروية سواء مصطلح أو معناه في اللغة كذلك قالوا العلم صنعة وكل صنعة تحتاج إلى صانع ومن هنا ندخل إلى مفهوم صناعة الفقيه العلم صنعة تحتاج إلى صانع ولابد من تعلمها تحتاج إلى معلم حاذق، والصناعة خبرة تقتضي معالجة حرفة ما فالدوجاني قال العلم ملكة وهنا قال خبرة، الصناعة خبرة تقتضي معالجة حرفة ما مدة طويلة حتى يبلغ المرء فيها مرحلة الإنتاج طواعية وقدرة.
أي لا بد أن يكتسب من الخبرة ما يصل فيه أن يجتمع عنده وصفان الطواعية والقدرة، القدرة الملكة المنتجة وليست الفطرية التي مع الاكتساب بطواعية وتكلف التكلف المقصود به فوق الطبيعي فالمعروف أن الصنعة تحتاج إلى تكلف لأن غيره لا يملك ما يملك هو، فعلى كل حال بطواعية وقدرة.
ومن ثم فالصناعة في العلم حرفة تقتضى أن يعالجها الباحث وطالب العلم والساري في تحصيله بأناة وصبر ويختبرها بالمطالعة والاستنتاج ويجربها بالكتابة تلو الكتابة حتى يتملكها في يده فيتملك القيادة.
أما أبو البقاء قال أن الصناعة كل علم مارسه الرجل سواء كان استدلالياً حتى سار كالحرفة له فإنه يسمي صناعة وقيل كل عمل لا يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب.
وقيل الصَنعة العمل، والصناعة قد تطلق على ملكة فيصدر بها على استعمال صاحبها واستعمال المسموعات على وجه البصيرة لتحصيل غرض من الأغراض
فالصناعة تطلق على ملكة مع خبرة حتى يكون حتى يقدر بها القدرة على استعمال المسموعات لتحصيل الأغراض حسب الإمكان والصِناعة والصَناعة أيضاً فرقوا بينهم بالفتح تستعمل في المحسات وبالكسر في المعاني وكهذا قالوا وأن لا أدقق في متابعة هذا التفريق الدقيق.
لا أعتذر عن علم أو كلام قد يكون دقيقاً يكون أمامكم من المسلمات لديكم لكننا في مجتمع متخصص في جمعية فقه فيحتاج إلى مثل هذا الطرح أحتاج أن استمع وأسدد من قبلكم فهي ليست محاضرة عامة ولكني أريد منكم التسديد في هذا فالصناعة بالفتح تستعمل في المحسوسات وبالكسر في المعاني وقيل بالكسر الصناعة حرفة الصانع وقيل هي أخص من الحرفة لأنها تحتاج في حصولها إلى مزاولة فالصناعة أخص من الحرفة، والصنع أخص من الفعل كذا العمل أخص من الفعل فإن العمل فعل قصدي لا ينسب إلى الحيوان والجماد فالفعل لا ينسب للحيوان وكذا العمل، كذلك أيضاً العلاقة بين الصناعة والحرفة أن الصناعة أخف من الحرفة وإن شئتم المزيد أيضاً فرقوا بين الحرفة والحُرفة وهذا استغرقته كتب الأدب فتناقل الأدباء والشعراء وهم ذوى صنعة في ميدانهم تناقلوا نعتهم لصناعتهم بالحرفة بكسر الحاء ويقرنوها بالحُرفة بضمها والحرمان والبؤس وسوء الحظ ومن ذلك قول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لحُرفة أحدهم أشد علىّ من عينته وقول حنظلة البرمكى ما أنصفتني يد الزمان ولا ادركتني حُرفة الأدب وهو الذي ذكر بعد ما فقد والديه ما ترك درهما أصن به وجهي يوماً عن ذي الطلب.
وقيل في رثاء عبد الله بن المعتز الذي بويع بخلافة فلم يتم له الأمر إلا يوماً واحداً يقول لله درُكا من ملك بمضيعة ناهيك في العلم والعلياء حسب ما فيه لو وليت فتنقصه كما أدركته حُرفة الأدب.
ذريق البغدادي وهو معروف في قصيدته وهو الذي دفع حياته ثمن لسعيه وقيل أنه باع بعض الكتب ضيقاً لما هو فيه وأيضاً أبو حيان التوحيدي وقيل أيضاً أنه أحرق كتبه وكتب رسالة يدعو فيها لتخليصه من الفقر وقال يأيها الشيخ خلصني من التكفف وأطلقني من لبس الفقر وأطلقني من قيد الدر فقد والله بُح الحلق وتغير الخلق، وقال أغرب خلف الرزق وهو مشرق وأقسم لو شرقت ليغرب.
فالحُرفة والحرفة يفرقون بينها هذا مما اقتضاه الكلام عن الصنعة والصناعة والعلاقة بينهما.
والصناعة تقوم على ثلاث دعائم:
1 - الموهبة أو الملكة والاكتساب والتحصيل.
¥