فكل كتاب من هذه الكتب الثلاثة يمثل المرحلة الأولى للدراسة على أساس اتخاذ مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - وسيلة للتفقه، فإذا فهمت متنًا من هذه المتون الثلاثة تكون قد أخذت الضروري من الأحكام والمسائل، خاصة الأحكام العملية التي تتعلق بالعبادات والبيوع والنكاح ونحو ذلك، فيمكنك أن تنتقل حينئذٍ إلى (الكافي) أو (المقنع)، ثم إذا انتهيت من ذلك كله وصلت في المرحلة الثالثة إلى (المغني)، وكل هذه الكتب الثلاثة لابن قدامة - رحمه الله -.
أما من اتخذ الفقه المالكي وسيلة للتفقه فله أن يبدأ بالرسالة لابن أبي زيد القيرواني.
وأما في الفقه الشافعي فعليك بالمنهج للنووي أو المهذب للشيرازي، والمهذب هو المتن الذي شرحه النووي - رحمه الله - ـ ومن تبعه ـ بكتابه الكبير المجموع الذي يعد من موسوعات الفقه المقارن.
وأما في الفقه الحنفي فبإمكانك أن تبدأ بالهداية لبرهان الدين الحنفي، وهو من أنفس متون الفقه الحنفي وأجلها وأغزرها بالفقه والأدلة، وعليه شروح كثيرة من أنفعها شرح (فتح القدير) للكمال بن الهمام، وشرح (البناية) للبدر العيني.
فعليك إذن كخطوة أولى على طريق إتقان علم الفقه أو التخصص فيه أن تبدأ بهذه المتون الفقهية فتقرؤها وتدرسها وتحفظها إن أمكن؛ لأنها لخصت لك المسائل والأحكام الشرعية، وأحسن هذه المتون الذي يذكر لك الدليل مع الحكم الشرعي ولو في بعض الأحيان، هو (عمدة الفقه) لابن قدامة الحنبلي، وهو المشروح في العدة.
فهذه المتون تعطيك ملخصًا جامعًا للأحكام الشرعية، وتطعم هذه الأحكام بالأدلة بشكل لا يحيرك ولا يعقد عليك التلقي، بأسلوب خفيف ميسر يليق بمبتدئ.
وبتلقي الفقه بواسطة متون هذه المذاهب الفقهية، تكسب شيئًا آخر، تكسب اللغة الفقهية؛ لأن هذه المتون صيغت بلغة علمية فقهية راقية، فلغتك العلمية نفسها تتحسن أكثر وتتطور، وتصبح متفقهًا يحسب لكل كلمة حسابها، لا يتكلم بحشو ولا تكرار، ولا يجعجع بما لا طائل من ورائه؛ لأن من عادة الفقهاء في المتون الفقهية أن كل كلمة يضعونها تدل على مسألة أو حكم في الغالب.
أما فقه السنة فميزته أنه يمثل حدًّا مناسبًا شاملاً بأسلوب ميسر، فهو كافٍ لمن لم يغرم على مواصلة السلم الفقهي.
فهذا فيما يتعلق بكتب علوم الغايات التي تتمثل في التوحيد والفقه، ولا شك أن كتاب الله - عز وجل - من وراء ذلك كله ومهيمن عليه.
أما ما يمكن إلحاقه بعلوم الغايات ـ أعني التفسير والحديث والسيرة باعتبارها تصحح الإيمان والعمل ـ فيمكن في التفسير البدء بتفسير الجلالين، ثم البيضاوي، ثم ابن كثير، لكن ينبغي للمبتدئ الذي يقرأ في التفسير أن يكون بصيرًا بعقيدته ودارسًا لها، وأن يكون مرتبطًا بمعلمه أو شيخه كما هو الأصل في تلقي مختلف العلوم الشرعية؛ وذلك لأن في تفسير الجلالين والبيضاوي بعض الأشعريات التي تحتاج إلى تنبيه، ولكنهما غزيران بالفائدة لما فيهما من عناية بمعاني الألفاظ واللغة وأسباب النزول وغيرها من أغراض التفسير، وفي تفسير ابن كثير بعض الإسرائيليات والروايات الحديثية التي تحتاج إلى طالب علم متبصر ولكنه مع ذلك من أجلّ التفاسير قدرًا.
أما في الحديث فيمكن البدء بالأربعين النووية أو الخمسين باعتبار ما زاده ابن رجب، مع شرحها، ورياض الصالحين للنووي، ومتون أدلة الأحكام مثل بلوغ المرام للحافظ ابن حجر أو عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي - رحمهما الله -.
أما في السيرة فيمكنك البدء بتهذيب سيرة ابن هشام، فهي تعطيك سيرته - صلى الله عليه وسلم - بصورة متكاملة تعتمد على أسلوب السرد، مع كونها مختصرة، وهي بهذا الأسلوب تمنحك ملكة طيبة في رواية السيرة وأحداثها بأسلوب عربي أصيل شيق.
أما ما يتعلق بكتب الأخلاق والرقائق فالكلام عن السلم فيها ليس من الأهمية بمكان، فالغالب فيها كلها السهولة، وهي متقاربة ولا يترتب عليها مسائل علمية، وما يتعلق بها منها بالفقه أو العقيدة فقد سبق الإشارة إلى السلم في ذلك، لكن نشير إلى كتب مهمة في ذلك كالكبائر والجواب الكافي ومختصر منهاج القاصدين.
أما في علوم الوسائل:
¥