وقوله: " ومن سيئات أعمالنا " السيئات هي عقوبات الأعمال كقوله: {سيئات ما مكروا} فإن الحسنات والسيئات يراد بها النعم والنقم كثيرا كما يراد بها الطاعات والمعاصي وإن حملت على السيئات التي هي المعاصي فيكون قد استعاذ أن يعمل السيئات أو أن تضره وعلى الأول وهو أشبه فقد استعاذ من عقوبة أعماله أن تصيبه وهذا أشبه. فيكون الحديث قد اشتمل على الاستعاذة من الضرر الفاعلي والضرر الغائي فإن سبب الضرر هو شر النفس وغايته عقوبة الذنب وعلى هذا فيكون قد استعاذ من الضرر المفقود الذي انعقد سببه أن لا يكون فإن النفس مقتضية للشر والأعمال مقتضية للعقوبة فاستعاذ أن يكون شر نفسه أو أن تكون عقوبة عمله وقد يقال: بل الشر هو الصفة القائمة بالنفس الموجبة للذنوب وتلك موجودة كوجود الشيطان فاستعاذ منها أن تضره أو تصيبه كما يقال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وإن حمل على الشرور الواقعة وهي الذنوب من النفس فهذا قسم ثالث)
وفهم شيخ الإسلام من قوله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أن المعنى أن كل من خشي الله فهو عالم:
يقول: (كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فلا يخشاه إلا عالم فكل خاش لله فهو عالم. هذا منطوق الآية. وقال السلف وأكثر العلماء إنها تدل على أن كل عالم فإنه يخشى الله كما دل غيرها على أن كل من عصى الله فهو جاهل. كما قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن قوله: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} فقالوا لي: " كل من عصى الله فهو جاهل ". وكذلك قال مجاهد والحسن البصري وغيرهم من العلماء التابعين ومن بعدهم. وذلك أن الحصر في معنى الاستثناء والاستثناء من النفي إثبات عند جمهور العلماء. فنفى الخشية عمن ليس من العلماء؛ وهم العلماء به الذين يؤمنون بما جاءت به الرسل يخافونه. قال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وأثبتها للعلماء. فكل عالم يخشاه. فمن لم يخش الله فليس من العلماء بل من الجهال كما قال عبد الله بن مسعود: " كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا ". وقال رجل للشعبي " أيها العالم " فقال: " إنما العالم من يخشى الله) مجموع الفتاوى
ولهذا قيل في تفسيرها: المراد بالذين يعلمون: هم: العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به، لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم
(ويدل على هذا المعنى قوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب}. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك قال سائر المفسرين. . قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم: إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا أنهم غير مميزين. وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا؛ وإنما يحتمل أمرين. (أحدهما): أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه. والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة وآثروا العاجل على الآجل؛ فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة. فقد جعل الزجاج " الجهل " إما عدم العلم بعاقبة الفعل وإما فساد الإرادة؛ وقد يقال: هما متلازمان وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية. والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله؛ وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم يعص. ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا .... . وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم {العلم علمان فعلم في القلب وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم النافع؛ وعلم اللسان حجة الله على عباده}. وقد أخرجا في " الصحيحين " عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة
¥