قال ابن القيم رحمه الله (ومن فَقَّهه في دينه فقد أراد به خيراً إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيراً) (مفتاح دار السعادة) 1/ 60.

ويقول المناوي في فيض القدير: (وأقول: هذا وإن كان محتملا لكن أقرب منه أن يراد في الحديث المشروح العلم الذي لا عمل معه فإنه غير نافع لصاحبه بل ضار له بل يهلكه فإنه حجة عليه)

ويقول أيضا: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أي علم لا أعمل به ولا أعلمه ولا يبدل أخلاقي وأقوالي وأفعالي أو علم لا يحتاج إليه في الدين ولا في تعلمه إذن شرعي ذكره المظهري، (ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع) أي لا تقنع بما آتاها الله ولا تفتر عن الجمع حرصا أو المراد به النهمة وكثرة الأكل (ومن دعوة لا يستجاب لها) قال العلائي تضمن الحديث الاستعاذة من دنئ أفعال القلوب وفي قرنه بين الاستعاذة من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع إشارة إلى أن العلم النافع ما أورث الخشوع)

ويذكر ابن القيم في تفسير قوله تعالى (ولو شئنا لرفعنه بها) قول ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعمله بها

والعجيب الاستدلال برد شيخ الاسلام على الجهمية ونص كلامه:

(فمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع وقلب لا يخشع} ولكن الجهمية ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان وأن من دل الشرع على أنه ليس بمؤمن فإن ذلك يدل على عدم علم قلبه وهذا من أعظم الجهل شرعا وعقلا. وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر ..... ) مجموع الفتاوى

وكذا ما فهمته من كون استعاذة الرسول لا تنفي الخيرية، فانظر ماذا يقول شيخ الإسلام؟!

يقول: (وقد توصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة إذا كانت غير مطابقة إن لم يكن فيها منفعة كقوله صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع} فيعود الحق فيما يتعلق بالإنسان إلى ما ينفعه من علم وقول وعمل وحال قال الله تعالى {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} - إلى قوله - {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} ........ ) مجموع الفتاوى

وبالنسبة لدعاء النبي (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال) فقد ذكر ابن حجر في شرحه في فتح الباري: (قال الكرماني: هذا الدعاء من جوامع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية وبدنية وخارجية، فالأولى بحسب القوى التي للإنسان وهي ثلاثة: العقلية والغضبية والشهوانية، فالهم والحزن يتعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية. والعجز والكسل بالبدنية. والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية فالأول مالي والثاني جاهي، والدعاء مشتمل على جميع ذلك.)

ويذكر شيخ الاسلام ما يُستعاذ منه فيؤكد على صفة الاضرار فيه فيقول:

(أما قوله: {ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا} فإن المستعاذ منه نوعان: فنوع موجود يستعاذ من ضرره الذي لم يوجد بعد ونوع مفقود يستعاذ من وجوده؛ فإن نفس وجوده ضرر، مثال الأول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ومثل الثاني: {رب أعوذ بك من همزات الشياطين} {وأعوذ بك رب أن يحضرون} و {اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل}. وأما قوله: {قل أعوذ برب الفلق} {من شر ما خلق} {ومن شر غاسق إذا وقب} {ومن شر النفاثات في العقد} {ومن شر حاسد إذا حسد} فيشترك فيه النوعان فإنه يستعاذ من الشر الموجود أن لا يضر ويستعاذ من الشر الضار المفقود أن لا يوجد فقوله في الحديث: {ونعوذ بالله من شرور أنفسنا} يحتمل القسمين: يحتمل نعوذ بالله أن يكون منها شر ونعوذ بالله أن يصيبنا شرها وهذا أشبه والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015