وقد نبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى مدرك ذلك لا محالة. فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرِّجلُ زناها الخُطَا، والقلب يهوى ''ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذِّبه) (1).
كما نبه إلى ذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فلما خرجت امرأة وهي متطيبة علاها بالدرة، ثم قال: "لا تخرجن أيتها النساء متطيبات فيجد الرجل ريحكن، وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم. اخرجن تفلات" (2).
تحريم التبرج: تدل طبائع الأشياء على أنه ما من فعل إلا ينتج منه فعل آخر مقابل، أو مغاير له، وما من خطيئة إلا قد ينتج منها خطيئة أخرى؛ فإظهار المرأة لزينتها ومحاسنها وسيلة إلى افتتان الرجال بها. وقد يترتب على هذا الافتتان خطيئة وفساد، لهذا نهى الله نهي تحريم عن التبرج في كافة صوره؛ فخاطب أمهات المؤمنين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرفهن وطهرهن وتقواهن فقال عزوجل: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى (3).
والمراد من تشبيه التبرج بفعل الجاهلية أن النساء في ذلك الزمان كن يمشين بين الرجال وهن متبخترات مع إبداء زينتهن، مما كان وسيلة لشيوع الرذيلة وانتشار الخطيئة وذهاب عفاف المرأة وهدر كرامتها.
وتحريم التبرج لا يختص بزمان أو مكان، بل هو محرم لذاته، وغايته، ووسيلته؛ وتحريمه في هذا الزمان أدعى وآكد، لأن زينة المرأة وأنواع لباسها إذا كانت محدودة في سابق زمانها، فإنها أخطر في هذه الأزمنة، التي أصبح فيها عرض الأجساد، وعرض الأزياء شائعاً في العديد من بلاد العالم، مما يتنافى مع كرامة المرأة وشرفها.
تحريم اللين في القول: للمرأة خصائص تختلف فيها عن الرجال، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذه الخصائص لأن ذلك خلق الله، ولا مبدل لخلقه؛ ولأنه أعلم بهذه الخصائص فقد نهى النساء عن الخضوع في أقوالهن، وأول من خاطب سبحانه بذلك النهي أمهات المؤمنين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرفهن وطهرهن وتقواهن، فقال عز وجل: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (1). وهذا النهي -وإن كان المخاطبات به نساء النبي- فإن نساء الأمة مخاطبات به في كل زمان وفي كل مكان، والمراد منه تحريم اللين في القول والرقة في الصوت مع غير المحارم، حتى لا يكون ذلك مثاراً لمن ضعف إيمانه وقل حياؤه.
وينبني على هذا عدة أحكام: أولها- أنه لا يجوز للمرأة رفع صوتها في الصلاة إذا طرأ لها طارئ كما هو الحال للرجال، بل عليها التنبيه بالتصفيق. وثانيها- أنه لا يجوز لها الأذان للصلاة، ولا يجوز لها كذلك أن تؤم الرجال. وثالث الأحكام- أنه لا يجوز لها رفع الصوت بالتلبية في الحج. ورابع الأحكام- أنه لا يجوز لها الجهر بالقول في الأحوال التي تستدعي خروجها، كحضورها للوكالة أو الشهادة أو نحو ذلك.
تحريم الاختلاط: الاختلاط هو الاجتماع بين نساء ورجال غير ذوي محارم لهن، والأصل في النهي عنه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقول الله تعالى: وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن (1). وأما السنة فعن أبي أسيد الأنصاري أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: (استأخرن فليس لكن أن تَحْقُقْنَ الطريق. عليكن بحافات الطريق). قال أسيد بن مالك بن ربيعة راوي الحديث: إن المرأة كانت تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (2).
وفي الاختلاط لا يتيسر غض البصر، وقد يحدث فيه التبرج لأن من طبيعة المرأة التزين في لباسها، وقد يحدث فيه اللين في القول، فتجتمع كل هذه المحرمات في الاختلاط فيكون أشد فتنة، وأشد تحريماً. وقد دلت الوقائع والشواهد أن الاختلاط بين الرجال والنساء من غير المحارم يؤدي إلى مفاسد كثيرة، وما يحصل في المنتديات ومحلات الاختلاط يشهد على ذلك مما يعرفه العامة والخاصة.
¥