هذا، والعلماء متَّفقون على أنَّ المجتهد إذا غلب على ظنِّه الحكم بعد اجتهاده لم يجز له تقليد غيره، أمَّا المسائل الشرعية التي لم يحقِّق القول منها ولم يجتهد فالظاهر من مذاهب أهل العلم عدم جواز تقليد غيره مع ضيق الوقت ولا مع سعته، لا فيما يخصه ولا فيما يفتي به؛ لأن التقليد حكم شرعي يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه، ولا يلزم من جوازه في حقِّ العامي العاجز عن التوصُّل إلى تحصيل مطلوب في الحكم جواز ذلك في حقِّ من له أهلية التوصُّل إلى الحكم وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم ممَّا هو مقلد فيه، ولأنه إذا فرضنا جدلاً جواز تقليد غيره فإنما ذلك بشرط أن لا يوجد منه اجتهاد في ذلك الحكم بنفسه، فإن وجد منه اجتهاد تعيَّن ما صار إليه اجتهاده وسقط التقليد، كالماء مع التيمم، إذ أنَّ ظنَّه أصلٌ وظنُّ غيره بدلٌ فلا يجوز المصير إليه إلاَّ بدليل، علمًا أنه يجوز له أن ينقل للمستفتي مذهب الأئمة إرشادًا إلى ذلك المذهب، ولا يفتي هو بتقليد أحد، كما يجوز له إذا تعذَّر عليه وجود دليل في المسألة المبحوث عنها بعد بذل الوسع واستفراغ الطاقة أن يفتي بمذهب غيره اضطرارًا لا دينًا.
أمَّا العمل بقاعدة «الخُرُوجُ مِنَ الخِلاَفِ مُسْتَحَبٌّ» فإنما ذلك إذا كان مأخذ المخالف قويًّا، أمَّا إذا كان مأخذه ضعيفًا فلا يُقام لخلافه وزنٌ، إذ ليس الورع والحيطة الخروج من الخلاف؛ لأن شرطه أن لا يؤدِّي مراعاته إلى ترك واجب أو إهمال سنة ثابتة أو خرق إجماع، بل الورع في مخالفته لموافقة الشرع، فإنَّ ذلك أحفظ وأبرأ للدِّين والذِّمَّة، ولا يخفى أن تمييز الضعف من القوة يكفي فيه أدنى تأمُّل.
وأخيرًا فاعلم أنَّ العلم درجات والعلماء متفاوتون في المراتب وهم بشر يخطئون، إذ ليس أحد إلاَّ يؤخذ من قوله ويردُّ إلاَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهم مأجورون في اجتهادهم وإن أخطأوا، ومن حقِّهم إذا أخطأوا أن يُقدم لهم النصح بأسلوب لائقٍ بمقامهم على وجهٍ يؤدِّي الغرض، ولا يصحُّ أن يُشنَّع عليهم ولا على طلبة العلم بسبب خطئهم ولا اتهامهم بالتعالم أو نبزهم بالتقليد لتدفع أقوالهم من أجلها، والعبرة بالتبيُّن والتثبُّت الذي أمر به تعالى فيمن تكلم فيه، والمشهود له بالعلم والفضل في الأمة فإن خطأه بالنسبة لصوابه يسير، والاعتبار في الحكم عائد إلى كثرة فضائله، إذ «لِلأَكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ»، وما كان من كلام مبني على الهوى أو الحسد أو العصبية فإن كان من قرينه فإنَّ «كَلاَمَ الأَقْرَانِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يُطْوَى وَلاَ يُرْوَى»، وإن كان من غير عالمٍ فلا يجوز أن يحكم على العالم بالخطإ والتعالم والتقليد؛ لأنَّ الجاهل لا يعرف خطأ نفسه فأنَّى له أن يعرف خطأ غيرِه، والطعن في ذوي الفضل والقدح فيهم سبيل أهل الزيغ والضلال؛ لأن الطعن في حملة الدين هو الطعن في الدِّين.
وإن كان من حق جميع المؤمنين التعاون على البرِّ والتقوى والتماس العذر لبعضهم وإحسان الظن بينهم، فالعلماء وطلاب العلم أحقُّ بذلك وأولى، والتعاون بينهم أمرٌ محمود وممدوح، ودفع الخلاف المفضي إلى التنازع والتدابر واجب إذا ما كان مفروضًا على العامة الاستقامة عليه، فالعلماء من بابٍ أولى، لكونهم خير الأمة ومحلّ ثقة الناس بهم، ثمّ من يليهم من طلاب العلم، إذ لا سبيل لتكوين العلماء إلاّ الأخذ من العلماء، فلذلك وجب السعي إليهم وموالاتهم ومحبتهم؛ لأنَّ طاعتهم تبع لطاعة الله تعالى، إذ هم الموجهون والمرشدون والأدلاء على حكم الله، فينبغي حال الاختلاف بين الأقران أو بين الشيخ وتلميذه عدم المبادرة إلى الاعتراض قبل التوثُّق أو التقليل من أهمية أحدهما لآخر أو اتهامهم قبل اتهام رأيه أو التشنيع قبل التثبت والنصح، فإنَّ سلوك مثل هذا المنهاج في التعامل يؤدِّي بطريقٍ أو بآخرَ إلى التدابر والمصادمة والهجران ويوقع العداوة والبغض، ولا شكَّ أنَّ هذه النتيجة مذمومة شرعًا، والوسيلة إليها تأخذ حكمها؛ لأن «الوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ»، «وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، بل ينبغي أن تكون المعاملة مبنيةً على التآخي والتعاون في الخير مع صفاء القلوب ونبذ الفُرقة وتحقيق الأُلفة فإنها لأجل مكانتها ولعظيم شرفها امتنَّ الله تعالى بها على عباده حيث قال عز وجل: ?وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا? [آل عمران: 103]، وقال عزَّ وجلَّ ?أيضًا?: ?لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ? [الأنفال: 63].
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.