هذا كله إذا كانت الفتوى تقترن معها الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، مؤسّسة غالبًا على مجرَّد الظنِّ أو ميلٍ إلى الهوى من غير دليلٍ شرعيٍّ، أمَّا إذا كانت الفتوى مؤسَّسةً على دليلٍ شرعيٍّ وتقيَّد المفتي بالكتاب والسُّنَّة وكان عالِمًا عدلاً مُتصفًا بالصدق والأمانة، فالواجب على المستفتي أن يأخذ بالفتوى وأن يلتزمها، وإن لم ينشرح صدره لها وحاكت في نفسه، إذ كان النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يأمر أصحابه بما لا تنشرح صدور بعضهم فيمتنعون أو يتوقَّفون في تنفيذ أمره، وكان هذا من زيادة إيمانهم وإخلاصهم كما حدث في عمرة الحديبية لما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من العمرة، وكذلك التفاوض مع قريش وأن يرجعوا من عامهم ونحو ذلك، وعليه فما كان من فتوى مدعمة بدليل شرعي صحيح فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله لقوله تعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ? [الأحزاب: 36]، بل الواجب التسليم والرِّضا واطمئنان النفس وانشراح الصدر عند تلقيه، لقوله تعالى: ?فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا? [النساء: 65].

هذا، والمفتي إن عدل عن فتواه إلى غيرها كأن يتزوَّج المستفتي بفتوى مجتهد ثمَّ غَيَّر المفتي اجتهاده، فلا يلزم على المستفتي أن يسرِّح زوجته، بعد تغيُّر الفتوى، كما لا يلزم المفتي إعلامه بالتغير؛ لأنَّ اجتهاده الثاني لا ينسخ اجتهاده الأول، فلا يعامله معاملة الشرع للنصوص؛ ذلك لأن «الشَّارِعَ رَافِعٌ وَوَاضِعٌ لاَ تَابِعٌ»، فإذا نسخ القول الأول رفع اعتباره رفعًا كليًّا، بخلاف المجتهد ففي كلا اجتهاديه طالب حكم الشرع ومتبع لدليله في اعتقاده أولاً وفي اعتقاده ثانيًا، فإن حصل له غلط في اجتهاده الأول يجوز على نفسه في اجتهاده الثاني ما اعتقده في اجتهاده الأول ما لم يرجع إلى نصٍّ قاطع أو إجماع قائم. ومنه يتبيَّن أن المجتهد ليس برافع ولا واضع، كما هو عليه أمر الشرع؛ لأنَّ قول الشارع إنشاء وأقوال المجتهدين إخبار، فليس لها حكم الناسخ من قول الشارع (14 - انظر فتوى الشريف التلمساني في «قول الإمام المجتهد المرجوع عنه» من تحقيقنا لمفتاح الوصول: (206) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_14')))، ولذلك تقرَّر أنَّ «الاجْتِهَادَ لاَ يُنْقَضُ بِمِثْلِهِ» (15 - انظر هذه القاعدة المهمة في الفقه الإسلامي لا سيما في باب الحكم والقضاء في «الأشباه والنظائر» للسيوطي: (101)، و «الأشباه والنظائر» لابن نجيم: (115) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_15')))؛ لأنَّ في نقضه عدم استقرار الحكم، ويفضي إلى وقوع الشغب بين الناس، إذ لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض، وتسلسل واضطربت الأحكام، ولم يوثق بها، وقد صحَّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسألة المشتركة أنه قال: «تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا» (16 - «مصنف عبد الرزاق»: (10/ 249)، و «السنن الكبرى» للبيهقي: (10/ 120) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_16')))، فلم يبطل الأول، ثمَّ جرت هذه الكلمة العمرية مجرى المثل (17 - «غمر عيون البصائر» للحموي: (1/ 141) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_17'))).

وجدير بالذكر أنَّ هذه المسائل المفتى بها جارية مجرى حكم الحاكم، إذ لا يسوغ للحاكم أن ينقض حكم من قبله إذا ما خالفه تحقيقًا لاستقرار الحكم ومنعًا من وقوع الشغب ?كما تقدَّم?، أمَّا المسائل الأخرى التي لا تجري هذا المجرى، فإنَّ الأحوط للمستفتي أن يعيد استفتاءه في حكم حادثة تقدَّمت فتواه وعمل بها لاحتمال أن يكون المفتي قد غيَّر اجتهاده أو لاحتمال طروء بعض ما يغيّر حكم الحادثة.

ولا يجب على المفتي إخبار المستفتي بتغيُّر فتواه ?كما تقدم? إلا إذا ظهر للمفتي قطعية خطئه لمقابلة اجتهاده لنصّ لا معارض له أو إجماع أمة، إذ ما تقرَّر في الأصول أن «لاَ اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ أَوِ الإِجْمَاعِ»، في هذه الحالة وجب عليه إخطاره بالحكم وإعلامه به.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015