لا تكن مضياعاً لوقتك!

ـ[أبو عبد الأكرم الجزائري]ــــــــ[10 - Jul-2009, صباحاً 01:22]ـ

يمضي كثير من الناس أوقاتهم ما بين المقاهي والطرقات والشوارع ووسائل اللهو، بل في ردهات المصالح العامة والخاصة، ينتظرون مرسوماً أو معاملة أو مراجعة تخصهم بلا شيء يفعلونه، ولا فائدة يستفيدونها!!

ونجد آخرين، قليلي الانتفاع بأوقاتهم، وفوضويين في الإفادة من ساعات زمنهم، فلا جدول يضعونه لكي ينظموا وقتهم، ولا خطَّة يرسمونها لكي تتضح لهم أعمالهم، مع التقصير الشديد في المحافظة على الوقت والاهتمام به.

لقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" أخرجه البخاري من حديث ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ في كتاب الرقائق برقم: (6412).

لكنَّنا نجد أنَّ كثيراً من الناس لا يعطون لهاتين النعمتين (الصحة والفراغ) قدرهما، ولا يولونهما الاهتمام والرعاية، وإنه ليحزنني كثيراً حين نشاهد أناساً يبقون بلا شيء يستثمرونه في ساعات الانتظار، أو صالات الاستقبال، أو سيارات الأجرة، أو أوقات السفر، أو حالة جلوسهم في بيتهم تجد أحدهم (يفشُّ) غلَّه بأولاده وزوجته بكثرة (البهادل) و (الشتائم) و (الصياح)، ثمَّ يشكون قائلين: بأنَّ حياتهم قاتلة ومملَّة غير سعيدة!

هذا (الإنسان الفارغ) يعيش بلا هدف في حياته، ولا غاية مرضيَّة، بل نجد أنَّ حياته مملَّة أشبه بالروتين القاتل، حيث يقضي بعض الناس على أنفسهم بهذا الفراغ، ويجعلهم يجيدون فنون التثاؤب والكسل، ومن أشكال الملل والهم والغم الشيء الكثير.

نعم، ليس هنالك وقت نستطيع أن نسميه وقت فراغ، ولكنَّ حالة الشخص هي حالة الفراغ، فالعادة أنَّ الإنسان منذ أن ينتهي من عمل يقوم بأداء عمل آخر ينشغل به، لكنَّ هذا ليس هو الإشكال، بل المشكل أن يكون المرء غير مستثمرٍ لوقته، ومستغل لدقائق عمره.

وفي الطرف الآخر، نجد مقابل المضيعين لوقتهم، أولئك القوم المهتمين بأوقاتهم من العلماء والمصلحين والمفكرين ورجالات الأعمال الناجحين، الذين يقدِّرون قيمة الوقت، وساعة الزمن، فيخرجون من هذه الدنيا، وقد ملؤوها علماً أو حكمة أو مشاريع بنَّاءة، يترضى عنهم الناس زمناً بعد زمن.

ولو دقَّقنا التأمل في سيرتهم لوجدنا أنَّهم ما كانوا يضيعون ثانية من أوقاتهم هدراً،

فالإمام ابن القيم يؤلِّف كتابين وهو في السفر من أروع ما ازدانت بهما رفوف المكتبات، وانتفع بهما طلبة العلم، وهما: (بدائع الفوائد) و (زاد المعاد)!

والإمام السرخسي يسجن فيؤلِّف كتاباً حافلاً في الفقه الحنفي، واسمه: (المبسوط) ويقع في أكثر من ثلاثين مجلداً.

وشيخ الإسلام ابن تيمية يسجن فيجلس لتعليم الناس أمور دينهم، ويؤثر عليهم حتَّى أنَّ بعض اللصوص تابوا على يديه وصاروا من الصالحين!

وذاك العابد يمضي وقته في الاستغفار والتسبيح، ورجل الأعمال الصالح يبني المساجد ويعين المحتاج ويغيث الملهوف ...

إنَّها أوقات عاشها هؤلاء القوم وقد تكون ضائعة إن لم تستغل، إلاَّ أنَّ المفلحين الناجحين الذين يعرفون أنَّ للوقت قيمة كبيرة، وأنَّه أنفاس لن تعود، وأنَّ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وأنَّ الوقت ليس من ذهب فحسب، بل هو ذهاب شيء من عمر الإنسان فهو الحياة، لهذا أدركوا قيمة الوقت فلم يدعوه يذهب هباءً منثوراً، وقد علِمُوا أنَّ من لم يستغله بمرضاة الله فسيندم على التفريط به، وقد قال ـ تعالى ـ: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنَّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) سورة المؤمنون: (99 ـ 100).

يحدِّث الصحابي الجليل أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ فيقول: قلت: يا رسول الله: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) قال: قلت: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال: (أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً) قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (تعين صانعاً أو تصنع لأخرق) قال: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (تكفُّ شرَّك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1/ 62) (والأخرق: هو الذي ليس بصانع، يقال: رجل أخرق وامرأة خرقاء لمن لا صنعة له).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015