وتأسيسًا على ما تقدَّم فعلى المستفتي -في هذه الأحوال- العمل بالفتوى فيما اطمأنت نفسه إليها مع وفرة الثقة وسكون النفس إلى المفتي، أمَّا إن وجدت أسباب مانعة من الثقة بفتواه كأن يُرمى بالجهل والبدع، أو المحاباة في فتواه، أو يعرف عنه الفتوى بالحِيَل والرُّخَص المخالفة للأحكام الشرعية والمجانبة لتعاليم الدين، أو عدم التزامه في فتواه بالكتاب والسُّنَّة والتقيد بمدلولَيْهما، فلا يجوز -والحال هذه- العمل بفتواه، ولا تُخلِّصه هذه الفتوى من الله، لعلمه أنَّ الأمر في سريرته على خلاف ما أُفتي به، ومثيله في النظائر: قضاء القاضي له مع علمه أنَّ الحكم في الباطن على خلاف ما قضى به في الظاهر، فإن ذلك لا ينجيه من الله، ولا ينفعه حكم القاضي، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا» (9 - متفق عليه: أخرجه البخاري: (5/ 107)، برقم: (2458)، ومسلم: (12/ 4) من حديث أم سلمة رضي الله عنها ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_9')))، بل على المستفتي تَكرار الاستفتاء إذا انتفت الثقة عن المفتي للأسباب المانعة على نحو ما تقدم، ويعيد سؤاله حتَّى تحصل له الطمأنينة الكافية للعمل بالفتوى.
وحقيق بالتنبيه أنه لا يجوز للمستفتي ?إجماعًا? تتبع الرخص والتخير بين أقوال المفتين بالرأي المجرَّد والتشهِّي، في هذا المعنى يقول ابن القيم ?رحمه الله?: «وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان» (10 - «إعلام الموقعين» لابن القيم: (4/ 211) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_10')))، بل على المستفتي أن يعمل بما يثلج صدره وتسكن النفس إليه ممَّا يراه قدر استطاعته الأقربَ للصواب، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (11 - رواه مسلم برقم: (2553) من حديث االنوّاس بن سمعان رضي الله عنه ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_11')))، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتُوكَ» (12 - رواه أحمد في «مسنده»: (4/ 227)، والدارمي في «سننه»: (2/ 246)، وحسَّنه النووي في «الأربعين»: (192) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_12')))؛ ذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقَبوله، وقلب المؤمن يطمئنُّ بذكره، وينشرح بنور الإيمان، فيرجع إليه عند الاشتباه، فما سكن إليه وارتاح فهو البرّ، وما لم يحدث له ذلك فهو الإثم، قال تعالى: ?أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ? [الرعد: 28]؛ لأنَّ الفتوى غيرُ التقوى والورع، ولأن المفتي ينظر للظاهر، كما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ» (13 - متفق عليه، تقدم من حديث أم سلمة رضي الله عنها ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_13')))، والمستفتي يعلم من نفسه ما لا يعلمه المفتي، فيجب على المستفتي ?والحال هذه? ترك الفتوى إذا كانت على خلاف ما حاك في نفسه وتردَّد في صدره، وإنما يعمل بفتواه التي تطمئنُّ نفسه إليها وتسكن.
¥