متابعته بغضِّ النظر عن صفة المفتي، أمَّا إذا انتفى ظهور الحق عند المستفتي وجب المصير إلى الأخذ بالأعلم ومتابعة الأفضل؛ لأنَّه أغلب على الظنِّ وأهدى إلى أسرار الشرع، وطالب العلم ومن يقوم مقامه له سبيلٌ إلى معرفة الأعلم: إمَّا بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه، وإمَّا عن طريق مجالسته ومناقشته ووزن فتاويه، كما يظهر الأعلم بأكثرية إصابته للصواب أو إذعان المفضول له وتقديمه.
أمَّا العامِّي المحض فله اتباع من يثق بدينه شريطة إلمامه بالعلم، ويهتدي إلى معرفة ذلك بالشهرة والتوجيه، وداعي التفريق بين المستفتين هو ما يجب افتراضه في مجتمع الصحابة رضي الله عنهم بين الحاضر والبادي، فإنَّ الحاضر في المدن والقرى إنَّما كان يسأل كبار الصحابة المشهورين بالفتوى، وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (4 - أخرجه أبو داود في «سننه»: (4/ 200، 201)، برقم: (4607)، والترمذي في «سننه»: (5/ 44) برقم: (2676)، وقال: «حديث حسن صحيح» ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_4')))، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « ... أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ... » (5 - أخرجه الترمذي برقم: (3793 - 3794)، وابن ماجه: (1/ 55) برقم: (154)، والحاكم: (3/ 422) من حديث أنس رضي الله عنه، قال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (3/ 223) رقم: (1224) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_5')))، ومن فَرْضُه اتباع المجتهدين أخذ بقولهم لكونهم أعلم وأفضل، ذلك لأنه المستطاع من تقوى الله المأمور به كل أحد، وقد ذكرنا أنَّ الأفضلية والأعلمية في عموم المسائل لا يلزم منها في بعض المسائل، لذلك لم يرد نكير عن أحد منهم في اتّباع المفضول واستفتائه مع وجود الفاضل، خلافًا لما كان عليه الأمر بالنسبة للبادي والأعرابي، فلم يكلفهم أحد الاجتهاد في أعيان المجتهدين واتباع الفاضل دون المفضول، فقد كان السلف رضي الله عنهم يتدافعون الفتوى ويتورعون عن الإفتاء، ويود أحدهم أن يكفيه الجواب غيره، ومن ثَمَّ علمنا أنَّ المفضول لا يفتي في مسألة يكفيه غيره إيَّاها، وخاصة إن كان فاضلاً، أمَّا إذا تعيَّنت عليه بذل جهده وطاقته ووسعه في معرفة حكمها، مستعينًا بالله تعالى (6 - انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرّ: (2/ 163)، «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي: (2/ 160)، «إعلام الموقعين» لابن القيّم: (1/ 33) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_6')))، مع ما فيه من استشارة من يثق بدينه وعلمه، من غير أن يستقل بالجواب ذهابًا بنفسه وارتفاعًا بها، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأَن أَمْرَهم شورى بينهم.
وفي كلا الحالتين سواء سأل المفتي الأعلم والأدين أو ما دونه فعليه أن يسعى إلى معرفة دليل المفتي أو تصريحه بأن ما أفتاه هو حكم الله وأمره، قال ابن حزم –رحمه الله?: «فعلى كُلِّ أحد حظه من الاجتهاد، ومقدار طاقته منه، فاجتهاد العامي إذا سأل العالم على أمور دينه فأفتاه أن يقول له: هكذا أمر الله ورسوله؟ فإن قال له: نعم، أخذ بقوله، ولم يلزمه أكثر من هذا البحث» (7 - «الإحكام» لابن حزم: (6/ 296) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_7')))، وقال الشوكاني –رحمه الله?: «والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة على طريقة طلب الدليل، واسترواء النص، وكيف حكم به في محكم كتاب الله أو على لسان رسوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في تلك المسألة فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجّة إذا دل عليها، أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها فهم الرواة وهو مستروٍ، وهذا عامل بالرواية لا بالرأي، والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية؛ لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة» (8 - «القول المفيد» للشوكاني: (88) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_8'))).
¥