في آداب المستفتي وجوانب تعامله بالفتوى

ـ[أبو عبد الأكرم الجزائري]ــــــــ[09 - Jul-2009, صباحاً 12:50]ـ

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنه لا يصلح لمرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلاّ من اتصف ظاهرًا بالعلم الشرعي الذي يبلِّغه على وجه القوة فيه، كما يتحلى بالعدالة التي يتبلور فيها الصدق والأمانة فيما ينقله ويبيّنه مقرونًا بسيرة مرضية وأخلاق حسنة من حِلم ووقار وسكينة وعدلٍ في أقواله وأفعاله وأن يكون متشابهًا بالسر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله مع معرفته بالناس وكفايته عنهم، وقد يعتري الخلل ويظهر النقص في الفتوى بحسب انتقاص خصال المفتي وشروطه ودعائم فتواه كمن يُولَّى من الجهال والفساق وأهل الهوى منصب الإفتاء الذين يفتون للكبير بالتسهيل وللصغير بضدها، وللصديق فتوى تناسبه وللعدو أخرى تضر به، وضمن هذا المعنى السائد والحكم الجائر بقول المفتي على غير مقتضى الشرع، يحكي ابن حزم ?رحمه الله? حوادث غريبة صادرة من تولية الجهال والفساق وأهل الهوى لمنصب الإفتاء حيث يقول: «ولقد أذكرنا هذا مفتيًا كان عندنا بالأندلس وكان جاهلاً، فكانت عادته أن يتقدمه رجلان، كان مدار الفتيا عليهما في ذلك الوقت، فكان يكتب تحت فتياهما: "أقول بما قاله الشيخان"، فقضى أن ذينك الشيخين اختلفا، فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا، قال له بعض من حضر: إن الشيخين اختلفا؟ فقال: وأنا أختلف باختلافهما!!؟» (1 - «الإحكام» لابن حزم: (6/ 240) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_1'))). وقال ?رحمه الله? في موضع آخر: «وقد شهدنا نحن قومًا فُسَّاقًا حملوا اسم التقدُّم في بلدنا، وهم مِمَّن لا يَحِلُّ لهم أن يفتوا في مسألة من الديانة، ولا يجوز قَبول شهادتهم. وقد رأيت أنا بعضهم، وكان لا يقدم عليه في وقتنا هذا أحد في الفتيا، وهو يتغطى الديباج الذي هو الحرير المحض لحافًا، ويتخذ في مَنْزِله الصور ذوات الأرواح من النحاس والحديد تقذف الماء أمامه، ويفتي بالهوى للصديق فتيا، وعلى العدو فتيا ضِدَّها، ولا يستحي من اختلاف فتاويه على قدر ميله إلى من أفتى وانحرافه عليه، شاهدنا نحن هذا عيانًا، وعليه جمهور أهل البلد إلى قبائح مستفيضة، لا نستجيز ذكرها لأننا لم نشاهدها» (2 - المصدر السابق: (6/ 309) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_2'))).

ولذلك لا يجوز للعامِّي أو لِطالب علمٍ أن يسأل من يظُنُّه غير عالمٍ ولا متديِّنٍ أو مجهول الحال وغيره، لاحتمال انتفاء صفة العلم والاجتهاد فيه، إذ الأصل في الإنسان عدم العلم، لقوله تعالى: ?وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا? [النحل: 78]، بل الواجب سؤال أهل العلم والاجتهاد من أهل الدِّين والصلاح عمَّا يعرض له من مسائل لمعرفة حكم الله تعالى، لقوله عزّ وجلّ: ?فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ? [النحل: 43، الأنبياء: 7]، ولقوله صلى الله عليه و آله وسلم: «أَلاَ سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ العَيِّ السُّؤَالُ» (3 - أخرجه أبو داود برقم: (336)، وابن ماجه برقم: (571)، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع»: (2/ 804) ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_3')))، فإن تعدَّد في بلد واحدٍ جماعة من المؤهَّلين للفتوى ينبغي التفريق بين من كان من طُلاَّب هذا العلم القادرين على وزن الآراء والمتمكِّنين من تقويمها، وهم دون رتبة الاجتهاد، أو على الأقل من يتسنَّى لهم معرفة الدليل وكيفية أخذ الحكم من ذلك الدليل، أو من ذوي القدرة على معرفة الحقِّ وفهم الدليل، وبين من كان عاميًّا صرفًا جاهلاً عاجزًا عن معرفة حكم الله تعالى، فالواجب على الأوَّلين تحرِّي الأفضل واستفتاء الأعلم من أهل العدالة والصلاح، ومتابعته فيما أفتى به إذا لم يمكنهم عند اختلاف المفتين معرفة الأقوال في القوة والضعف، إذ مع الإمكان فـ «العَمَلُ بِالأَقْوَى دَلِيلاً وَالأَصَحِّ نَظَرًا وَاجِبٌ»، بغضِّ النظر عن الأعلم من دونه؛ لأنَّ الأعلم صفة للمجتهد في جملة المسائل ومعظمها، وقد لا يكون على هذه الصفة في بعضها، فإن ظهر الحقُّ وتبيَّن وجب المصير إلى

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015