أن أموت جوعاً من أن آخذ مالاً لم أتعب في كسبه، فألححت عليه إلحاحاًمملاً مزعجاً، فأبى، وقال: لا تكثر، لئلا أطردك من بيتي طردا لا عودةإليه) ثم يتابع فيقول: (إلا أن فاقته كانت وقرا على محبيه، وطلب إليَّ بعض الأصدقاء أن أجدله منصباً يُثري منه، فتكلمت مع أولي الأمر، وتمكنت من أن يعين قاضي قضاة المسلمينفي العراق، فلما وقف على تنصيبه، أبى، وقال لي:" إن هذا المقام يستلزم علماًزاخراً، وذمةً لا غبار عليها، ووقوفاً تاماً على الفقه، وأنا لا أشعر بذلك، ووجدانييحكم عليَّ بأني غيرُ متصف بالصفات المطلوبة لمن يكون قاضي قضاة المسلمين) (24).
3 - أما طبعه فقد كان حاد المزاج،شديد الغضب،عظيم التصلب في عاداته لا يكاد يصبر على صحبته إلا من عاشره وعرف طبعه، أو من وكان قريبا من مزاجه. أما أخلاقه العلمية فمنها:
1 - كان حريصا على وقته،جلد في البحث والنسخ والتصنيف،وكل من تتلمذ علي يديه يعرف انه لا يضيع من وقته شيئيا، ولا يكاد يؤجل عملا إلى وقت أخر، وكان إذا استحسن شيئيا طالعه أو قراءه ولو مرات مثل كتاب (لسان العرب) لابن منظور،فقد درسه وتمعن فيه ثلاث مرات من أوله إلى منتهاه (25).
2 - واسع الاطلاع،غزير المادة، إماما في معرفة المقالات العائدة لأصحاب الملل والنحل،عرف ذلك من طالع كتبه، وقراء مؤلفاته، خاصة فيما يتعلق بالنقل عن أهل اللغة والشعر والبيان، ومن ابرز كتبه (المسفر عن الميسر) حيث كثير فيها النقل عن أئمة اللغة، وتعددت فيها المصادر (26).
3 - ومن حيث الدليل كان الالوسي رحمه الله سلفيا اثريا، يأخذ بالدليل حيثما لاح له،وبان وجهه،لا يبالي إذا ظهر أيما كان المخالف،فقد كان صريحا لا يعرف المحاباة،ومن أمثلة مؤلفاته في هذا الجانب التي كشف فيها عن زيف أهل الباطل بالدليل والبرهان كتاب (الآية الكبرى في الرد على النبهاني في رائيته الصغرى) (27) ومع تمسكه بالدليل وإتباعه للسنة فهو يزن بميزان الشرع والعدل والإنصاف، ويعطي لكل ذي حق حقه ولا يخس لأحد علمه،ولا يحط من قدر احد خاصة أهل العلم من المتقدمين،ممن عرف عنهم الصدق وإتباع الدليل،ومن أمثلة مؤلفاته في ذلك كتابه الشهير (تجريد السنان في الذب عن أبي حنيفة النعمان) فقد وضع فيه قواعد وأصول في الدفاع عن أئمة الهدى،ومصابيح الدجى أمثال أبي حنيفة والشافعي وغيرهم رحمهم الله على غرار ما كتبه ابن تيمية رحمه الله في رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
نبوغه في فنون العلم:
النبوغ في عصرنا نادرة النوادر فلا تكاد تجد احد متفوقا في جميع العلوم بحثا وعلما واستظهارا، وهو ما وفق إليه الالوسي رحمه الله فهو ضارب في كل سهم من سهام العلوم المختلفة،ففي العلوم الشرعية فهو من المتبحرين بها، الغائصين في أعماقها، الباحثين عن درر مكنونها وكنوزها،أما في العلوم اللغوية فيكاد أن يكون هو فارس ميدانها في عصره، رافع لوائها في مصره، أما في التاريخ والسير فكتابه (بلوغ الإرب من الشواهد الواضحة على انه كان ضليعا خبيرا في سبر أغواره،ومعرفة أسراره،واستخلاص ثماره وعبره،ويمكن تقسيم العلوم إلى ثلاثة أقسام:
1 - علم الدين والشريعة:وللالوسي من تلك العلوم الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، حيث احتسب حياته كلها لخدمة علوم الدين،والدفاع عن قضاياه وخاصة فيما يتعلق بعلم العقيدة،فقد جاهد أهل البدع والخرافات كجهاد الفارس الغيور في ساحات الوغى،فاظهر ما في المذاهب الباطلة من فساد،وبين عوار أهل البدع فكشفهم على حقيقتهم،ودعا إلى المحجة البيضاء القائمة على توحيد الله، وإفراده بالعبادة وإتباع الرسول حتى دحر كيد أهل الضلال وخفف من تأثيرهم على العوام، ومن أدل الأدلة كتبه ومؤلفاته في بيات المعتقد السليم،والتي المخطوط منها الذي لم ينشر أكثر من المطبوع.
¥