عن أجوائه، لكنه قبله بعد إلحاح فكان بحق نصير لكل مظلوم،ومعين لكل ضعيف،ومنصف في حكمه وقوله.
اندلاع الحرب العالمية واحتلال بغداد:
أعلنت الدولة العثمانية بعد اندلاع الحرب العالمية مناصبة العداء للحلفاء،وسيرت بريطانيا جيشا إلى بغداد (17)،وانتزعت البصرة ثم الفاو حتى دخلت شوارع بغداد تجول بدباباتها وخيولها،فاضطربت الدولة العثمانية،وحاولت الاستنجاد بما حولها من الدول العربية، وخاصة نجد فلم تجد أكفئ من العلامة الالوسي رحمه الله، لهذه المهمة السياسية فانتدبته سفيرا لها إلى الأمير عبد العزيز أل سعود،فقبل بها وهو لها كاره،وصحب معه جملة من خيار أعيان البلد رفقائها منهم العلامة علي علاء الدين الالوسي رحمه الله،فشد الرحال إلى بلاد نجد عام 1333 وكان الترحيب به لدى الأمير لا يوصف،وبعد مشاورات وحوارات ابدي الأمير أسفه عن النجدة وتعذر بمعاذير وحجج على عدم موافقته لنجدة الدولة العراقية،وتركت بغداد فريسة للاحتلال (18)،فوجد الالوسي رحمه الله بعد أن أكمل المهمة على أكمل وجه فرصة سانحة للاجتماع بأكابر العلماء،فاستفاد واستفادوا منه علما جما،وتوطدت العلاقات بينه وبين علماء نجد،وأثمرت بعد ذلك برسائل ومؤلفات سيأتي الذكر عليها إن شاء الله في فصل مراسلات الالوسي رحمه الله مع معاصريه.
عودة إلى التأليف والتصنيف:
عاد الالوسي رحمه الله بعد جولته من نجد،ووصل إلى الشام (19) لكنه وجد أمامه عقبة أخرى،حيث انبرى له بعض الحاقدين وأغروا به جمال السفاح، وحسنوا له إيقاع العقوبة به لكونه – على زعمهم – هو من حسن لصاحب نجد التقاعس عن نصرة الدولة العثمانية،لكن جمال السفاح ردهم ولم يبالي بهم لما يعلم عن الالوسي رحمه الله من صدق لهجة،وإخلاص لبلده،ولما كان يكنه له من مودة وحب،فعاد إلى بغداد واستقر بها،واتجه نحو التأليف والتصنيف والمراسلة،وجمع المخطوطات والبحث عنها.
تاريخ الالوسيين في مقارعة الاحتلال:
عرف الالوسيون بالغيرة على الدين والوطن،وعدم قبول المهانة والذلة ولو كان ببذل المهج والنفوس،ومن الأدلة على ذلك ما قام به العلامة الالوسي رحمه الله عند احتلال بغداد وسقوطها بيد الانكليز عام 1335،حيث قام بالتنديد بالاحتلال،والتحريض على مقاومتهم بحسب الإمكان (20)، وعدم قبول شيئيا من مناصبهم وأموالهم، فقد عرضوا عليه منصب قضاء بغداد فأبى بل وانقبض من مخالطتهم،وفي أيام تشكيل الحكومة عرض عليه أيضا منصب الإفتاء، ثم رئاسة التميز الشرعي،ثم القضاء ثم المشيخة فرفض كل ذلك بنفس أبية،وأبى إلا أن يخدم العلم،واثر العزلة لكنه قبل بعضوية المعارف ليتمكن من توسيع نطاق العلم بين أهله وقبل بعضوية المجمع العلمي العربي اللغوي بدمشق (21)، وقد حبر في مجلة المجمع شتى الرسائل والمباحث النافعة اللغوية والأدبية، ونشرها من بعد تلميذه البار محمد بهجة الأثري رحمه الله.
أخلاقه ومزاياه وفضائله:
عرف الالوسي رحمه الله بجملة صفات وأخلاق تربى عليها ونشاء عليها حتى أصبحت له سجية،وطبيعة ثانية ومن ابرز تلك الصافات والأخلاق ما يلي:
1 - التواضع والحياء،فهو ميال إلى مجالسة الفقراء والمساكين،بعيد كل البعد عن مخالطة أهل الترف والمنصب،ومن تواضعه انه كان لا يتكلف في أكله أو شربه،ويقول ما اثر عنه (إنني اقنع بما في يدي يقع) (22).
2 - يكره التزلف والنفاق:فقد كان رحمه الله لا يغشى أبواب الحكام بل يهرب من مجالستهم،ويحب من يتخلق بذلك ويجتنب الشبهات، ويتقي المحارم،وقد حاول كثير من الأمراء والحكام كسب وده،والتقرب إلى مرضاته،فاعرض عنهم وأهملهم، وعرضوا عليه مناصب عدة،فكان يزهد عنها بنفس راضية قانعة بالقليل، ولما سئل عن سبب ذلك قال (إنهم يريدون باستمالتي إليهم إلا ترويج سياسياهم على العوام، لما يعلمون من ثقتهم بالعلماء وتعلقهم بقادة الدين، ويأبى الله لي أن أبيع ديني بدنياي، واخدع أمتي ووطني!!) (23) والحديث عن وهده وورعه يطول وحسبنا أن نذكر في هذه العجالة ما ذكره الأب أنستاس ماري الكرملي حيث قال: (كان الآلوسي وصل إلى حالة قاصية من الحاجة إلىالمال في عهد الاحتلال، فلما عرف ذلك المعتمد السامي برسي كوكس أهداه ثلاث مائةدينار ذهباً إنكليزياً، وكلفني بتقديمها إليه، فلما أتيته بها، رفض قبولها بتاتاً، وقال خير لي
¥