في أوائل القرن الرابع للهجرة اقترحت لجنة اللغات الشرقية بدعوة من ملك النرويج على العلماء والباحثين آنذاك بتأليف كتاب يتناول أحوال العرب في جاهليتهم قبل الإسلام، ونسب من أشتهر من قبائلهم،وأخلاقهم وعوائدهم في الأكل والزواج والعلوم والصنائع، وما جرى بينهم من حروب ومطاحن،وما إلى غير ذلك من المباحث،فانبرى العلماء والأدباء، والمؤرخون والمشاهير منهم إلى تقديم عروضهم،وعرض الالوسي كتابه الشهير (بلوغ الإرب في أحوال العرب) (9) فأجمعت اللجنة بعد النقاش والحوار إن اجمع المؤلفات،وأوسعها علما،وأغزرها فائدة،وأقربها للواقع هي ما كتبه الالوسي رحمه الله في كتابه الموسوم ببلوغ الإرب، وفاز بجائزة الوسام الذ1هبي،وبعد نشر الكتاب في الأفاق حبرت الصحف والمجلات والكتب فضل الكتاب،واشتهر الالوسي فضله في الأفاق، وعرف بين العام والخاص،وكانت بداية انطلاقة للاتصال بمثقفي العالم الإسلامي وغيرهم من مستشرقين عرب وأجانب (10).
التحرر من ربقة التقليد:
أصيب الالوسي بما أصيب به علماء الزمان - إلا من عصمه الله - من التقليد والجمود على كتب الفت في غير زمانهم، ودونت في غير أيامهم – أيام ركود العلم –،ينظرون إليها بعين الإجلال والاحترام بل والتقديس أحيانا،ولا يخرجون عنها قيد أنملة، استمر الالوسي رجمه الله على هذا النهج والمنوال إلى حين أن تجاوز من العمر الثلاثين،فلاح له بريق،وأبصر عن بعيد علم،وانقدح في نفسه الهام صادق، وذلك من خلال خزانة عمه العلامة نعمان الالوسي رحمه الله والتي تحوي ذخائر علم السلف،فرأى فيها ضالته المنشودة،وأمله الذي يتمناه،فكسر قيد التقليد،وتخلص من الجمود العنيد،فاكب على قراءتها، والتمعن فيها وتدبرها،فوجد إنها تخرج من مشكاة النبوة،غير انه لم يجاهر بآرائه، ولم يفصح عن أقواله، ربما لأنه لم يجد أعوانا وأنصارا، وتخفى تحت ستار المجاملة برهة من الزمن، ومن الأدلة على ذلك تأليفه كتاب (الأسرار الإلهية شرح قصيدة الرفاعية) (11)، حيث قدمه إلى الوالي عبد الحميد،والكتاب شرح فيها منظومة أبي الهدى الصيادي الرفاعي، وعلى الرغم مما حوته الرسالة من إثباتخرافات الصوفية وجهالتهم؛ مثل قصة الرفاعي وتقبيله ليد الرسول المعظم في موسمالحج، إلا أنها حوت مسائل وفرائد في اللغة والأدب والشعر، وكل مؤلفاته -رحمه الله- لا تخلو من الفائدة، وقد طبعت الرسالة بمصر سنة 1305، وتقع في 45 صفح وسيأتي الكلام عليها في فصل (جولة حول مؤلفات الالوسي رحمه الله).
الجهر بالحق:
حتى إذا عرف فضله بين الأقران، وطار صيته في الزمان،وقوي ساعده بين الخلان،خلع ما كان يستتر به من المجاملة،وهتف بمنابذة أهل البدع،ومقارعة أهل الخرافات،وشن غارات متتالية بالقلم والبنان،واحدث انقلابا في عالم الفكر لا تزال أثاره ظاهرة،وثماره يانعة تلاميذ نجباء،بررة أتقياء، (12) ولما طار صيته،واشتهر علمه لم يرق ذلك لأصحاب العمائم،فصاروا يشنعون عليه،ويحذرون منه، بل ويتربصون به الدوائر،ويكيدون له،ولولا معية الله وحفظه،ثم صدقه وإخلاصه لوقع في مصائدهم وكيدهم،فقد سعوا إلى عبد الوهاب باشا والي بغداد، فكتب على الفور إلى السلطان عبد الحميد بآمره، فنفي هو وابن عمه السيد ثابت بن السيد نعمان الالوسي وآخرون وما كاد يصل إلى موصل الحدباء حتى قام أعيان البلد ممن يعرفون فضل الالوسيين، فاقنعوا السلطان (13)، وأعيد مكرما معززا،رغم كيد الحساد إلى بغداد المحروسة.
الالوسي وبعده عن السياسة:
كان رحمه الله ميالا للعزلة مشغولا بالبحث والقراءة، فلم يكن يرغب في معاشرة الأمراء مع حرصهم على كسب وده،ومنهم والي بغداد سري باشا (14) حيث كان صاحب أدب وعلم وحوار، فكان يحاور الالوسي رحمه الله،ويتصل به علميا لا سياسيا،وقد أعجب الوالي سري بالعلامة الالوسي رحمه الله،ووضع ثقته به،حتى انه أناط به إنشاء أول جريدة تسمى بالزوراء،والتي كان إصدارها ما بين عام 1286 إلى 1335 فحبر به الالوسي رحمه الله ما شاء من مقالات أدبية ولغوية وعلمية، (15) وكانت خير معبر عن أرائه وأفكاره، توفي سري باشا وجاء بعده جمال بك (16) فكان يشاور الالوسي فيما يخص بسياسية البلاد،ويستأنس بآرائه، وعرض عليه منصب عضو مجلس الإدارة فاعتذر الالوسي لأن ذلك مما يعوق مسلكه العلمي ويبعده
¥