وعلى الرغم من فرح عمر بن الخطاب بالفتح، إلا أنه كان فرحا مشوبا بالحذر؛ إذ أن رقعة الدولة الإسلامية اتسعت في بلاد المشرق حتى شملت أرض فارس كلها، وقد طالت خطوط المواصلات كثيرا، وتوزعت قوات المسلمين في أرجاء الشام ومصر والعراق وفارس، وكان مما قاله عمر في ذلك: "لوددت أني لم أكن بعثت إلى (خراسان) جندا، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار" ثم كتب إلى الأحنف ألا يتجاوز النهر إلى ما بعده:

" أما بعد" فلا تجوزن النهر، واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا".

ثم جمع عمر الناس وخطبهم خطبة عظيمة قال فيها: "إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون. والله بالغ أمره ومنجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا في أمره على رجل يعرف لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تتبدلوا ولا تتغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتي إلا من قبلكم"!

أما فتح عاصم بن عاصم التميمي، فقد كانت وجهته سجستان (ولاية كبيرة تشمل اليوم منطقتي (راجستان) و (سيستان)، ومن مدنها (قندهار) وسجستان بذلك أعظم من (خراسان) وأبعد فروجا، وعلى الرغم من ذلك استطاع عاصم أن يحقق النصر، ودخل ولاية سجستان، وبث جنده وسراياه، وفرض الحصار على من لم يستسلم منهم، إلى أن اضطروا إلى الصلح على أن تكون مزارع (سجستان) حمي لا يطؤها المسلمون، وبذلك فتحت ولاية (سجستان) ودخلت ضمن البلاد الإسلامية.

استعادة فتح أفغانستان

لم ينته الأمر عند هذا الحد، ولم يستسلم أهالي تلك البلدان للفاتحين، وإنما كانت هناك مقاومات تعبوية انتهت باستعادة المغلوبين من أهل هذه البلدان لبلادهم، وذلك في الأوقات التي انشغل الفاتحون فيها بالاضطرابات الداخلية والفتن المحلية.

وحينما استطاع الفاتحون القضاء على الاضطرابات والفتن الداخلية المحلية، استعادوا البلاد المفتوحة مرة أخري، ولكن معارك الفتح هذه لم تكن سهلة التكاليف، بل صادف المسلمون في كثير منها مقاومة شديدة، وتكبدوا خسائر فادحة بالأرواح، وجري فتح بعض المناطق والمدن عنوة.

ويذكر اللواء محمود شيت خطاب (رحمه الله) أن هناك مجموعة من القادة المتميزين أسهموا بجهد وافر في فتح أفغانستان، ومن هؤلاء:

1 - عبد الله بن عامر بن كريز العبشمي: بعد مقتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا، فلما استعاد عبد الله بن عامر فتح (فارس) غزا (خراسان)، وسير الجيوش وبعث على مقدمتها الأحنف بن قيس التميمي، وفتح مدينة تلو أخري، بعضها صلحا، والأخرى عنوة، إلى أن تم له فتح خراسان سنة 31هـ.

ثم توجه إلى (سجستان) وكانت كسابقتها (غدرت ونقضت بعد مقتل عمر بن الخطاب) ففتح حصونها وصالحه أهلها، وقاتله آخرون فقاتلهم إلى أن تم له الفتح، وكان ضمن المدن التي فتحت (كابل) و (زابلستان) وهي ولاية (غزنة) ثم عاد إلى (زرنخ) فأقام بها.

وهكذا استعاد بن عامر فتح (سجستان) وفتح لأول مرة قسما من أفغانستان، وذلك كله عام 31هـ – 615م في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه).

2 –الأحنف بن قيس التميمي: وكان من القادة التابعين لعبد الله بن عامر، وإليه ينسب فتح خراسان و (طخارستان)، فأتى الموضع الذي يقال له: قصر الأحنف، وهو حصن (مرو الروذ) فصالح أهله بعد حصارهم على ثلاثمائة ألف درهم.

وجمع الفرس حلفاءهم من أهل (طخارستان، والجوزجان، والطالقان، والفارياب) حتى بلغوا ثلاثين ألفا، والتقوا بالمسلمين عند الجانب الشرقي من نهر (جيحون) وجري قتال شديد بين الطرفين، انهزم الفرس بعده، وولوا هاربين، فألحق المسلمون بهم خسائر فادحة بالأرواح، وفتح الأحنف كل هذه البلدان، في نفس العام 31هـ.

3 – الربيع بن زياد الحارثي: وكان – أيضا – تابع ا لجيش عبد الله بن عامر (رضي الله عن الجميع) فوجهه عبد الله إلى سجستان سنة 31هـ، ودار بينه وبين أهليها قتال شديد في بلدة (دوشت) و (ناشروذ)، و (زرنخ) و (قهستان، وفتح مدنا أخري صلحا مثل (زالق) من نواحي سجستان، وكذلك (كركويه)، واستمرت ولاية الربيع سنتين ونصفا وسبي في ولايته هذه أربعين ألف نسمة، وكان كاتبه الحسن البصري.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015