ومن جديد فكر في الهجرة من الوطن نهائيا، فاستأذن من ابيه أن يسافر الى الحج في موسمه لسنة 1331هـ، الموافق 1913م فأذن له، فغادر قسنطينة في رحلة طويلة، وفي المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم لقي علماء عظام، منهم شيخه حمدان الونيسي الجزائري، والشيخ حسين احمد الهندي وألقى دروسا أمامهم في الحرم النبوي، ولقي أيضا علامة الجزائر واديبها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي).

وكان عبد الحميد ابن باديس قد أبدى رغبته أمام الشيخ حسين أحمد المديني الهندي في البقاء بالمدينة، فنصحه لما توسم فيه الخير أن يعود إلى وطنه قائلا:

ارجع إلى وطنك يابني فأمثالك هما كثير يغنون عنك ويقومون مقامك، ولكنهم في وطنك قليل، وخدمة الإسلام هناك أجدر بك وانفع له من بقائك هنا.

أعماله بعد رجوعه:

وبمجرد أن عاد إلى مدينة قسنطينة شرع في التعليم بجد واجتهاد ونشاط دؤوب لا يسأل عن عمله أجرا من الناس ولا يقبله، فقد كانت حياته كلها كفاح في التعليم الديني والدعوة إلى الجهاد والتحرير من وطأة الإستعمار الغشم.

ومن أعماله أنه أنشأ المطبعة الجزائرية الإسلامية، هو وبعض تلامذته، وأصدر فيها صحيفة) المنتقد (ولكن لم تدم طويلا فقد جاء الأمر بإغلاقها بعد ان صدر العدد (18) وأصدر بعدها مجلة الشهاب علمية دينية أدبية صدر منها في حياته نحو) 15 (مجلد وكان شديد الحملات على الإستعمار الفرنسي، وحاولت الحكومة الفرنسية في الجزائر إغرائه بتوليته رياسة الأمور الدينية فامتنع واضظهد، وأذي وقاطعه إخوة له كانوا من الموظفين، وقاومه أبوه وهو مستمر في جهاده

تأسست جمعية علماء المسلمين في سنة (1931م) وبعد مدة طويلة من التخطيط لها وأنتخب رئيسا لها، وكان لها نشاط عظيم، منه إنشاء المدارس الكثيرة رغم المضايقات والإضطهادات التي كان يتلقاها أعضاء الجمعية، وخاصة رئيسها.

ومن أثاره العلمية:

له تفسير القرآن الكريم، اشتغل بتدريسه زهاء (14عام) ونشرت نبدة منه، ثم جمع تفسير آيات من القرآن بإسم مجالس التذكير طبع ونشر في الجزائر وهو تفسير قييم فريد مفيد.

وقد شرح موطأ مالك، وأتم شرحه إلا أنه لم ينقل إلينا كاملا، وإنما نقل إلينا نبدة منه، تدل على تضلعه في العلم وبراعة أسلوبه،وأقسم بالله جازما غير متردد أنه لو نقل إلينا كاملا لأغنى عن جميع شروح الموطأ

ومن آثاره) آثار ابن باديس (في أربع مجلدات وفيها عدة بحوث قيمة، قد أعيد طبعها في جمس كتب غير مجلدة، قامت بطبعها وزارة الشؤون الدينية بالجزائر.

تلامذته:

استمر ابن باديس في ميدان التعليم يقوم بمجهداته العظمى،حتى أضحى طلابه يعدون بالمئات، ويساعده على التدريس نجباء المتخرجين من مدرسته، وهؤلاء الشيخ الفاضل الورتلاني، والشيخ جلول الملياني، والشيخ عبد المجيد بلحيرش المتخرج من الزيتونة، والشيخ الجيلاني الفارسي المتخرج من مدرسة ابن باديس ثم الزيتونة والشيخ أبو بكر حاج عيسى الأغواطي وغيرهم كثير، وكان طلبته أغلى ماعنده وأعز عليه، يجتهد على راحتهم، ويشقى لاجلهم ويبذل لهم كل ما في وسعه، ويؤمن بأن أثمن ما يؤديه في حياته أن يحسن تربيتهم على محبة الدين، واللغة والوطن وخدمتهن والوفاء لهم، وأعظم طلابه الشيخ مبارك الميلي، وعبد السلام السلطاني، ومحمد بن العابد السيماتي، وموسى الأحمدي،والفضيل الورتلاني.

ومن طلابه من اقتصر على مدرسته ولم يطلب العلم في غيرها ومنهم من شرق أو غرب واتم دراسته في جامعة من جامعات العواصم الإسلامية، ومات بعضهم، واستشهد آخرون ومايزال إلا القليل منهم على قيد الحياة، فرحم الله أمواتهم وحفظ لنا أحياءهم، سائلين المولى ان يحسن خواتمنا وخواتمهم إنه سميع مجيب.

توفي بقسنطينة في حياة أبيه يوم 16أفريل 1940م ولا يعلم سبب موته, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

ـ[أبو أروى]ــــــــ[13 - Nov-2010, صباحاً 08:54]ـ

عود على بدأ

لا جرم أن من لم يطلع على تاريخ الجزائر وتفاصيل أحادثه يعتذر له من أحكام أقل ما يقال فيها أنها قاسية على رجال صنعوا ذاك التاريخ بدمائهم وأقلامهم وجهودهم (هنا شكر حار للأخ الطاهيري على الترجمة للإمام الرئيس عبد الحمبد بن باديس)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015