ويأخذ عنه فقيل له في ذلك كيف تطرحه وتأخذ عنه؟ فكان يقول: إني أعرف صدقه من كذبه أنا أستطيع أن أميز وأعلم هو كذاب في ماذا وصادق في ماذا، لكن من سيأخذ الكلام عن سفيان هل هو يعلم مثل سفيان كذب هذا الراوي من صدقه؟ لا، لا يعرف، فيكون الذي دون سفيان استعمل الخبر ثقة بنقل سفيان، فكان سفيان يخشى على نفسه من شهوة الحديث هذه.ولذلك أوصى سفيان بحرق كتبه.
لماذا أوصى بحرق كتبه؟ لأن كان فيها أخبار وروايات عن أمثال هذا الضرب فخشي سفيان أن يثق الذي يأتي بعد ذلك إذا وجد الكتاب أن يثق بالرواة فيستعملها مع أنّ راوي هذه الأخبار أو الأحاديث ليس بثقة عند سفيان، فكان يخشى من ذلك.المحمل الثاني: الذي حمله أهل العلم من خشية سفيان خوفه من الحديث أن لا يكون استعمل الحديث الذي وصل إليه، فيُكَثِّرُ حجج الله عليه، من أجل ذلك العالم أبرك الناس وأكثر الناس أجراً وأعظمهم عقوبة في نفس الوقت كل حاجة لها المضادة لها، العالم من أبرك الناس عملاً، بكلمة واحدة منه يهتدي عليها الملايين، هذه الكلمة أبرك من أن يقوم عمره كله، فكيف إذا كان عالماً جعل الله- عز وجل- له لسان صدق في الأمة يقول الكلمة تنتشر في وسط الناس جميعًا ينتفع بها الضال والحائر، يرجعون إلى الله- عز وجل-، فيكون هؤلاء جميعًا في صحيفة هذا العالم، ليس هناك أبرك من هذا.ولكن في المقابل يكون عذابه شديدًا إذا وصله النص و لم يستعمله فضلاً عن أن يعمل ضد النص، وفي حديث أسامة بن زيد في الصحيحين:" يؤتى بالعالم فيلقى في النار فتندلق أقتابه من دبره (أمعاءه تخرج) ويدور حولها كما يدور الحمار في الرحى، فيقول له أهل النار يا فلان أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ (أي: ماذا جاء بك إلى هنا؟) فقال لهم: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " فمسؤولية العالم مسؤولية ضخمة، إذا نُعِّم يُنعًّم في أعلي المراتب، وإذا عُذِّب يُعَذب في أدنى المراتب، إذن خشية سفيان أن لا يكون عمل ببعض ما وصل إليه من الحديث فيكون حجة عليه، لو كان جاهلاً ربما كان أخف عليه من أن يكون عالماً، فأعرض أو خالف أو أهمل.عندما نجد كلاماً لأهل العلم ظاهره التعارض أو ظاهره التضارب لا بد أن نحمل كل كلام على معنى، و هذا من أصول الجمع، لأن العلماء فيه باب كبير جداً و مهم للغاية في علم أصول الفقه و هو باب التعارض والترجيح، إذا تعارض نصان في الظاهر وكلاهما صحيح فلا بد من حمل كل نص على معنى حتى لا تتعارض النصوص.مثلاً إذا سمعت قوله تعالى: ?وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? [الأنعام:164] مع قول النبي- صلى الله عليه وسلم-:" إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "، لا تقول الاثنين متعارضين لأن الحديث صحيح، و هذه الآية من كتاب الله عز وجل، هذا قرآن متواتر وهذا حديث ثابت بإجماع أهل العلم، الآية تقول ?وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى?، ?كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ? [المدثر:38]، لا أحد يحمل عن الثاني حاجة، و هنا الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فما ذنب الميت الإمام البخاري رحمة الله عليه جمع ما بين الآية والحديث بكلمتين في التبويب قال: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه إن كان من سنته)، إن كان من سنته أي إن أوصى بذلك، فإن أوصى بذلك كان من جملة عمله، فيحاسب عليه إذا قال أبكوا عليّ أصرخوا علي، اعملوا علي كذا، قبل ما أدخل الجبانة اذبحوا عجل تحت النعش، الكلام الذي يحصل و نراه بكل أسف في بعض المرات كل هذا من المحرمات ولا يجوز، فإذا كان هذا من سنته فهذا من جملة عمله إذن يؤاخذ عليه إذن أصبح لا تعارض.أنا عندي إذا تعارض نصان أنظر إلى أوجه الجمع أولًا، أجمع ما بين النصوص فإن عجزت عن الجمع ما يبقى إلا الترجيح ما بينها، والترجيح أيضًا له ضوابط و له قواعد، الجمع له أصول والترجيح أيضًا له أصول.إذن أنا لمّا أقف على كلام متعارض سواء كان في نصوص الوحي أو كان في كلام العلماء بشرط الثبوت، لو فيه قول غير ثابت وقول آخر ثابت إذنً أنا لا أتعب نفسي و أقعد أجمع ما بينهم الاثنين، لا، غير الثابت القي به. إنما نشترط الثبوت في الحالتين هذا ثابت وهذا ثابت، إذا أردت أن أفهم وجه الجمع ما بينهما لا بد أن أنظر في مبحث التعارض الترجيح أو
¥