الجمع والترجيح عند أهل العلم في هذا الكتاب. بحمد الله تعالى لمّا نقرأ خوف سفيان من الحديث، أو نهي سفيان الطلبة عن طلب الحديث مع قوله إن الحديث هو خير علوم الدنيا، نفهم أنه ليس هناك تعارضبينهما للعلة التي ذكرتها آنفاً،
ـ[أم محمد الظن]ــــــــ[22 - Sep-2010, صباحاً 08:01]ـ
كان يقول: (إذا رأيت العالم على باب الأمير فأعلم أنه لص)، هذا كان رأي سفيان- رحمه الله- وهو رأي جماعة أيضًا من أهل العلم. رأي أهل العلم في القرب من الأمراء: فريقان: الأول: فريق يرى ضرورة أن يقترب أهل العلم من أصحاب القرار، لأنهم إذا تركوا هذا المكان دخل الفَسقة والفجرة وغيرهم أي كان لهم تأثير على القرار الذي يعم الأمة كلها، أي السبعة الذين يظلهم الله- عز وجل- في ظله يوم القيامة أولهم الإمام العادل، اختلفت الروايات في ترتيب من يأتي بعد ذلك لكن لم تختلف الروايات ولا طرق الحديث في ذكر الإمام العادل على رأس هؤلاء السبعة ... لماذا؟ لأن الإمام كرأس العين إذا تكدرت تكدَرت السواقي أي إذا اتخذ قرارًا وكان قرارًا جائرًا اتعب ملايين الخلق، فإذا اقترب أهل العلم وكان الأمير يقرِّب العلماء وكان يتقي الله - عز وجل- ويخشاه فإنه لن يتخذ قرارًا إلا إذا سأل هل هو مشروع أم لا، فالعلماء الذين قالوا بأن الاقتراب من الأمراء منفعة ومشروع طائفة كبيرة من أهل العلم، منهم مالك ومنهم الشافعي وغيرهم. الثاني: والذين قالوا تجنبوا على رأسهم سفيان بن سعيد الثوري، وعبد الله بن المبارك وطائفة أخرى من أهل العلم.
و ضابط المسألة هنا:هو طاقة الذي يقترب، سفيان الثوري لماذا كان يهرب؟ برغم أن أمير المؤمنين آنذاك رمى له الخاتم وقال له: (اقض في الناس بالكتاب والسنة) ومع ذلك هرب سفيان واشتد هربه حتى نذر الخليفة أن من ظفر به فله عشرة آلاف درهم فجعل الناس كما يقول أبو احمد الزبيري: (كنا في مسجد الخَيفي ومنادي السلطان ينادي _ كان هو مع سفيان يعني في مسجد الخَيفي،_ ومنادي السلطان ينادي من ظفر بسفيان فله عشرة آلاف).فخرج سفيان هاربًا حتى خرج من الكوفة إلى البصرة وخرج من البصرة إلى اليمن، خرج إلى البصرة وكان حارساً على بستان، فمرَّ به رَجُلان فطلبا منه تمرًا، فالمهم جلس سفيان مع هذين و جلسا يتكلمان فقال أحدهما لسفيان على سبيل المنادمة: (أيهما أحلى رطب الكوفة أم رطب البصرة)، طبعًا سفيان كوفي و هو الآن في البصرة و يعمل حارسا على بستان، كل هذا ليهرب من الخليفة حتى لا يظفر به, فقال له الرجل: رطب الكوفة أحلى أم رطب البصرة؟ فقال: (أما رطب البصرة فما ذقتها)، وهو طبعًا حارس على بستان في البصرة فقال هذا الرجل لصاحبه: (ما أكذبه إن الكلاب يأكلون الرطب في البصرة،) أي لكثرة الرطب، فكيف لم يذقها؟. فقال الرجل لصاحبه: أحلف لك هذا سفيان الثوري، أي إنما عرفه من ورعه قال: هذا سفيان الثوري هلم بنا إلى الخليفة لنظفر بالعشرة آلاف، سمع سفيان هذا فترك البستان واشتد هاربًا ولا يزال هاربًا حتى وصل إلى اليمن، فلما وصل إلى اليمن كان يتلفت خائف، يتلفت فالناس أو الشرطة ظنوا أنه لص من كثرة تَلَفته فقبضوا عليه وأخذوه إلى الوالي آنذاك وكان الوالي هذا أحد الأجواد الكبار و هو مَعن بن زائدة.فالمهم عندما دخل سفيان على مَعن بن زائدة قال: ما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله بن عبد الرحمن وهو صادق عبد الله بن عبد الرحمن، أي أنت إذا قلت أنا اسمي عبد الله بن آدم، حسنًا، آدم أبونا جميعا، فهو لم يكذب, قال: عبد الله بن عبد الرحمن، فمَعن بن زائدة قال للجماعة التي معه: اخرجوا، فلما خرجوا وخلا به قال: نشدتك الله لما انتسبت؟ أي ماذا؟ انسب نفسك، من أنت؟. قال: أنا سفيان، قال: أنت بن سعيد ابن مسروق الثوري؟ قال: نعم، قال: أنت طِلبة الخليفة؟ أي أنت الخليفة يبحث عنك، وطبعًا هذا والي من الولاة المفروض أول ما يقبض عليه يمسك به ويرحله. ولكنه قال له مَعن بن زائدة قال له: خذ أي طريق شئت فو الله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها، ومضى سفيان الثوري- رحمه الله-.
السبب في هروب سفيان الثوري من الخليفة: في يوم من الأيام كان الخليفة كان جالسا وكان معه مجموعة من الناس وجاء ذكر سفيان، فقال: لماذا يهرب منا أبو عبد الله؟ فعرف أنه يوجد أحد من الجلوس من أصحاب سفيان، فحملَّه رسالة، قال: قل لأبي عبد الله يأتي وليحكم في الناس بالكتاب والسنة، لا أريد أكثر من ذلك، فجاء الرجل فقال لسفيان: لماذا تشتد هاربًا من الخليفة؟ و هو يقول كذا، وكذا أي اقض في الناس بالكتاب والسنة ,فقال له: يا ناعس، _أي يا مغفل_ قال: (أنا لا أخشى اهانتهم ولكن أخشى معروفهم فلا أرى منكرهم منكرًا)، هذا هو الذي جعل سفيان الثوري يشتد ويترك الكوفة بل يشتد هاربًا في كل مكان، كان يخشى إكرامهم، لماذا؟ لأن الإحسان يكسر المرء ويقضي على اعتراضه، لا يستطيع أن يقول هذا منكر وهذا منكر بن أبي ذئب: مثلًا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب كان من أئمة المدينة، وهو من أقران مالك، وكان مالك قريبًا من السلطان، بخلاف بن أبي ذئب ما كان قريبًا، بن أبي ذئب لبعده عن الأمراء كان قوَّالًا بالحق لدرجة أن الإمام أحمد بن حنبل عندما سئل عن مالك وبن أبي ذئب قال: بن أبي ذئب أقول بالحق من مالك، أقول بالحق من مالك أي إنه يجهر بكلمة الحق، لأنه ليس مكسورًا، ليس مكسورًا بسبب ماذا؟ بسبب الإحسان وبسبب الأعطيات وهذا الكلام، الإنسان هذا يقضي تقريبًا على اعتراضه ويجعل عباراته دائمًا لينة، بل قد يتكلم بكلام بعيد عن محل الحوار و ذلك كله بسبب ماذا؟ بسبب الإحسان.